قضايا ملتهبة : الصناديق الخاصة.. (سبوبة فساد) يقتات منها ملايين الفقراء

«حكومة شرف عارضت بشدة إدراج الصناديق فى الموازنة.. ولما أثرت الموضوع فى مجلس الوزراء كأننى كفرت»
«عاملة بالظبط زى الأولاد اللى جايين من علاقة غير مشروعة».. لم يجد وزير المالية السابق، حازم الببلاوى، تعبيرا أدق من ذلك ليُشَبه به الصناديق الخاصة، «هذا وصف دقيق لوضع الصناديق التى لا يوجد منها ما هو نظيف 100%»… العلاقة غير المشروعة هنا كانت بين السلطة وعدد من المسئولين فى مختلف الجهات، أنجبت عددا من الصناديق كبرت يوما تلو الآخر حتى أصبحت سرطانا يصعب علاجه بين يوم وليلة.
</a

الثمرة الأولى لهذه العلاقة كانت صندوقا فى وزارة الصحة، وكأى فكرة فى الدنيا قد تبدأ بأهداف نبيلة وسرعان ما تنحرف عن الطريق الصحيح. فالقصة بدأت عندما اقترحت الوزارة إنشاء صندوق بغرض تحصيل رسوم محدودة من المواطنين للمساعدة فى تحسين الخدمات الصحية، ثم تم تعميم هذه التجربة تدريجيا فى عدد من الوزارات والهيئات، لينتهى الأمر بفرض رسوم على مختلف الخدمات العامة توضع حصيلتها فى صناديق، صارت الممول الرئيسى للدخول الأسطورية لبعض القيادات السياسية والإدارية، وللمهرجانات والاحتفالات المكرسة للنفاق السياسى.

وبحسب التقرير الذى يناقش حالياً داخل مجلس الشعب، وحصلت «الشروق» على نسخة منه، فإن 95% من أموال الصناديق تُنفق على شراء الهدايا ومنح البدلات والمكافآت لبعض المسئولين.

وبالرغم من تلك الفوضى، إلا أنه «إذا تم إلغاء الصناديق هاتقوم ثورة… لأنها فاتحة بيوت غلابة كتير»، يقول الببلاوى، فبينما «يصل ما يحصل عليه المسئول الواحد من الصناديق 100 ألف جنيه شهرياً مقابل 300 جنيه للموظف الصغير، إلا أن هذا الشخص الغلبان، الذى يكون على الأغلب غير معين، يعتمد بشكل أساسى عليه».

ولعل هذا هو السبب وراء «المقاومة الشديدة» التى واجهها وزير المالية الأسبق، سمير رضوان، من جانب الوزراء عندما طرح على حكومة الثورة الأولى فكرة ضم هذه الصناديق للموازنة للاستفادة من أموالها فى وقت كانت المالية تطرق فيه عدة أبواب للبحث عن موارد، منها الاقتراض من الخارج.

«أول ما أثرت موضوع الصناديق الخاصة فى مجلس الوزراء هاجوا عليا وكأننى كفرت… الوزراء قالوا لى إلا ديه.. النظام قائم دلوقتى على إرضاء الناس.. ولو طرحنا فكرة إلغاء الصناديق الناس هاتهيج عندنا، وهاتحصل مشاكل إحنا مش قدها.. خاصة من المسئولين اللى بيعتمدوا بشكل كبير على الصناديق فى زيادة دخلهم الشهرى»، بحسب تعبير رضوان.

وهو نفس الهجوم الذى واجهه الببلاوى من «جميع المحافظين تقريبا» بسبب منشور أصدرته المالية تطلب فيه من الجهات المختلفة عدم الصرف من أموال الصناديق فى غير أغراضها.

«المحافظون قالوا لى وقتها احنا عارفين إن أموال الصناديق بتُنفق فى غير أغراضها، ولكن الدنيا هاتتهد فوق رأسنا لو طبقنا هذا المنشور، والعمل سيتوقف… فسكرتير عام المحافظة راتبه الأساسى لا يتعدى 600 جنيه، ويصل إلى 4000 جنيه بعد إضافة ما يأخذه شهريا من الصناديق.. لو قلنا له إن الوضع ده هايتغير مش هيرضى يشتغل، لا هو ولا اللى تحته».

وبالرغم من صدور قانون يقضى بخضوع الصناديق والحسابات الخاصة لرقابة وزارة المالية قبل الصرف فى عام 1992، إلا أن الوزارة مازالت لا تعلم شيئا عن هذه الصناديق، وحتى الجهاز المركزى للمحاسبات الذى يعتبر الرقيب الوحيد عليها لم يتمكن من حصر جميع الصناديق ومعرفة حجم الأموال الموجودة بها على وجه الدقة.

بالرغم من أن انحرافات الصناديق الخاصة تعود إلى 40 سنة، إلا أن «الضجة الكبيرة حولها بدأت منذ 3 سنوات»، عندما أثار جودت الملط، الرئيس السابق للجهاز المركزى للمحاسبات، الموضوع فى مجلس الشعب، «كان غرضه وقتها شرير، ولكن رب ضارة نافعة»، هكذا يتذكر وزير المالية الأسبق، سمير رضوان، بداية الجدل حول الصناديق الخاصة.

الملط كان يهدف وقتها إلى إثارة الرأى العام ضد يوسف بطرس غالى، «الأمر الذى شجعه عليه مبارك حينها، فالملط وغالى كانا مولدين فوق رءوس بعض، والرئيس السابق كان سعيدا بهذا الموضوع ودائما يستغله، وقد أعطى جرين لايت للملط لأن يهيج الرأى العام على غالى فى موضوع الصناديق»، كما يقول رضوان.

ولكن لولا الضجة التى خلقها الملط حول الصناديق، ربما ما كان الرأى العام انتبه لهذه الكارثة، «خاصة أن المسئولين عن تلك الصناديق شياطين يأخذون ثروة البلد ويحولونها إلى مصلحة خاصة، دون أن يعلم أحد ما يفعلونه»، بحسب تعبير وزير المالية السابق، حازم الببلاوى، مشيرا إلى أن صندوق النقد الدولى أوصى مصر بعد الثورة بالإسراع فى حل مشكلة الصناديق والحسابات الخاصة.

والصناديق الخاصة هى حسابات أُنشئت لتحقيق اغراض معينة، بعضها اجتماعى والبعض الآخر استثمارى يتعلق بالإنفاق على مشاريع محددة أو صيانة بعض المرافق العامة، ولها كيانات ادارية مستقلة، وتمول نفسها ذاتيا من خلال الموارد التى تحددها قرارات انشائها او اللوائح الخاصة بها.

وتعتمد الصناديق بالأساس فى تجميع مواردها على الإيرادات الناتجة عن فرض رسوم على بعض الخدمات العامة، لذلك يعتبر إبراهيم يسرى، عضو فى الجهاز المركزى للمحاسبات، أن إيرادات الصناديق «ما هى إلا تبرع إجبارى تتم جبايته من جيب المواطن أو المقيم فى مصر».

فهذه الموارد تتمثل فى كل ما يدفعه المواطن من مبالغ للجهات المختلفة، بداية من تذاكر الزيارة فى أى مستشفى حكومى، ومصاريف تركيب عدادات المياه والكهرباء والغاز، مرورا بـ«الكارتة» التى تفرضها المحليات على مداخل ومخارج المدن ومواقف سيارات النقل الجماعى، أو رسوم استخراج بطاقة الرقم القومى أو تراخيص المرور. وكذلك مقابل الخدمات التى تقدمها وزارة الداخلية للمواطنين، ورسوم رخص المحليات بأنواعها المختلفة من ورش ومصانع ومحال تجارية، والغرامات التى يسددها أصحاب المخابز، والإتاوات المحصلة من مستخدمى المحاجر، وبعض الرسوم التى يدفعها الطلاب بالجامعات والمعاهد العليا، وغير ذلك.

وبعض الصناديق تعتمد أيضا على بعض الهبات التى تقدمها جهات أجنبية، لذلك توجد صناديق بالعملة الأجنبية، مثل بعض صناديق الجامعات التى تحصل على مساعدات خارجية بهدف تشجيع البحث العلمى. أو صناديق السياحة التى تعتمد فى إيراداتها على فرض رسوم أو ضرائب على السياح الوافدين لمصر والتى تكون حصيلتها بالعملة الأجنبية.

رضوان يوضح أن الهدف الأصلى من إنشاء الصناديق الخاصة كان ايجاد بعض المرونة فى إدارة المرافق العامة بحيث تتمكن من توفير بعض الموارد التى تساعدها فى تحقيق اهدافها، وإنفاقها بحرية دون الحاجة إلى القيام بإجراءات حكومية عديدة ومعقدة وتستغرق وقتا طويلا.

فوزارة الصحة، التى أنشأت أول صندوق، كان تريد فى البداية توفير موارد بهدف تحسين الخدمة الصحية فى المستشفيات العامة، لذلك اقترحت إنشاء صندوق يتم تجميع موارده من خلال فرض رسوم على بعض الخدمات الصحية، وعلى تذاكر الزيارات فى المستشفيات الحكومية، وغير ذلك.

كذلك وزارة السياحة طلبت إنشاء صندوق خاص يهدف إلى الحفاظ على آثار مصر، على أن يتم تجميع موارده من خلال فرض رسوم على تذاكر الطيران وزيارة المتاحف، وعلى جميع المتعاملين فى قطاع السياحة.

وبعد إنشاء عدد من الصناديق فى بعض الوزارات، اكتشفت بعض الجهات، خاصة فى المحليات، أن تلك الصناديق «منجم ذهب»، على حد تعبير الببلاوى، فبدأت هى الأخرى تطلب إنشاء صناديق خاصة بها. وقد تحقق ذلك بشكل قانونى من خلال قانون الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979 والذى حدد للمحليات إنشاء صناديق للخدمات والتنمية المحلية والإسكان الاقتصادى واستصلاح الأراضى هذا بالإضافة إلى صناديق النظافة.

أى أن الأهداف التى أُنشأت لأجلها الصناديق كانت نبيلة فى البداية، لكن مع مرور الوقت بدأت تنحرف عن تلك الأهداف، فبدأ المسئولون عنها يستفيدون من مواردها بشكل شخصى من خلال شراء سيارات لأنفسهم والسفر للخارج، إلى أن تطور الأمر لأن يستفيدوا بشكل منظم منها عن طريق الحصول على مبلغ شهرى من مواردها كدخل إضافى، بحسب الببلاوى.

وحتى يشترى هؤلاء المسئولون سكوت الموظفين الصغار، بدأوا يعطوهم هم أيضا مبالغ شهرية، ولكن بقيم ضئيلة جدا بالنسبة لما يتقاضاه أولئك المسئولون، كما يوضح وزير المالية السابق، مشيرا إلى أن هناك صندوقا تبلغ قيمة إيراداته حاليا 17 مليون جنيه، يستفيد منه 50 ألف موظف صغير شهريا بحوالى 15 مليونا، بواقع 300 جنيه لكل منهم، فى الوقت الذى يستأثر فيه 4 مسئولين بالـ« 2 مليون جنيه» المتبقية.

هذه ليست الحالة الوحيدة، فمعظم المسئولين يحصلون على ما يتراوح بين 100 إلى 200 ألف جنيه من الصناديق شهريا، بينما يحصل صغار الموظفين على 200 أو 300 جنيه، وهو ما أكده أيضا رضوان، مضيفا أنه عندما حاول فى فترة وجوده فى الوزارة فتح ملف الصناديق الخاصة، فإن النتيجة التى توصل إليها هى أن «تلك الصناديق ما هى إلى نوع من بقششة المسئولين على بعضهم البعض.. وهذا هو انطباع المالية عن الصناديق الخاصة».

فوضى المرتبات هى السبب

الببلاوى يحمل مسئولية «كارثة الصناديق» إلى الحكومات السابقة التى تسببت فى «فوضى المرتبات».. فـ»عندما ارتفعت الأسعار فى مصر بشكل جنونى ومستمر دون أن يقابل ذلك زيادة فى المرتبات، لجأت الحكومات

صرف بدلات كثيرة وحوافز، مثل حافز الإثابة، وبدل غلاء المعيشة، وغيرهما، وكان الغرض من ذلك هو التحكم فى دخل الموظف، فمن الممكن زيادة أو تخفيض الحوافز ولكن لا يمكن تحريك الأجر الحكومى الثابت.

وتطور الأمر حتى أصبح مرتب الموظف يمثل 20% من أجره، والحوافز والبدلات 80% منه، مع ملاحظة أن المعاش يتم حسابه تبعا للأجر الأساسى وليس إجمالى الدخل، وقد تزامن هذا الأمر مع ظهور قطاعات تستقطب كفاءات تتقاضى مرتبات مرتفعة جدا. «ونتيجة فوضى المرتبات أصبح كل من لا يستطيع إيجاد طريقة لزيادة راتبه، يلجأ لتأسيس صندوق خاص لأى غرض حتى يتمكن من زيادة دخله منه»، تبعا للببلاوى.

وأصبحت الحكومات فى عهد مبارك تستخدم تلك الصناديق لشراء الناس، وفى نفس الوقت من كان يحالفه الحظ وينجح فى التقرب للمسئولين عن الصناديق تكون طاقة القدر انفتحت له. فعلى سبيل المثال، الأساتذة الذين تكون علاقتهم قوية بعمداء الجامعات، يتم ترشيحهم كثيرا للسفر للخارج من أموال الصناديق تحت اسم «بعثات تعليمية»، يقول الببلاوى.

ليست كل الصناديق رجسا من الشيطان

لكن بالرغم من كل هذه الانحرافات، فإن «إلغاء هذه الصناديق بشكل عشوائى قد يتسبب فى مشاكل عديدة، فلا يجب معاملتها جميعا بشكل متماثل، لأن لكل منها طبيعته الخاصة، كما أن بعضها يؤدى بعض الأهداف التى خصصت لأجلها، والبعض يؤدى فعلا أهدافا نبيلة»، تبعا للببلاوى.

فمئات الآلاف من الغلابة استفادوا من تلك الصناديق، حيث تم تعيين عدد كبير من العمالة المؤقتة من أموال هذه الصناديق وإعطائهم رواتب شهرية منها، ولذلك إذا تم ضم إلغاء تلك الصناديق دون ترتيب وضع المعينين بها، سيجدون أنفسهم فى الشارع. «إذا هدينا الصناديق مرة واحدة هاتتهد علينا»، كما يرى الببلاوى.

وحتى إذا كان تعيين العمال من أموال هذه الصناديق على غير وجه حق، لكن فى الحقيقة فإن «المرتبات التى يتقاضاها هؤلاء فاتحة بيوتهم، مثل عدد من الفراشين وعمال اليومية وغيرهم من العمالة المؤقتة»، هكذا يؤكد وزير المالية السابق.

من جهة أخرى يستخدم جزء من أموال الصناديق فى تحسين بعض المعاشات الصغيرة جدا فى عدد من الجهات الحكومية، أو فى التأمين صحيا على عدد من العمال المؤقتين.

وعلى الرغم من تأكيده على ضرورة أن تخضع هذه الصناديق لنظام رقابة صارم وأن يكون لها نظام حديث للإدارة المالية، يرى خالد زكريا أمين، الأستاذ المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن «الواقع الفعلى على المستوى المحلى يفرض وجود مثل هذه الصناديق التى أصبحت تقدم خدمات أساسية للمواطنين، وأصبحت تشكل عائداتها السنوية نسبة كبيرة من إجمالى استثمارات التنمية المحلية، باعتبارها الأداة الرئيسية للتمويل الذاتى».

«وإذا ما أضفنا حقيقة أن هناك الالاف من العمال والإداريين يعملون فى المشروعات التى تعمل من خلال هذه الصناديق فإن الحرص الشديد لابد أن يسيطر على عملية صنع القرار الخاص بمستقبل هذه الصناديق»، أضاف أمين.

فإلى جانب الأثر الاجتماعى بشأن قضية العمالة، فإن وزارة المالية ستجد نفسها مطالبة بتعيين العاملين فى الصناديق ودعم موازنة المحليات التى «ستتأثر بشكل دراماتيكى» بضم أو غلق الصناديق.

وبحسب أمين، فإنه «على الرغم من وجود إنفاق غير مبرر وبعض أشكال التربح غير المشروع من بعض الصناديق، فإن هذه الصناديق عادة ما تعد الملاذ الأخير للقيادات المحلية لدعم بنود الموازنة المحلية الضعيفة وموازنات المديريات والإدارات التعليمية والصحية، بل والتعامل مع الأزمات والقضايا الطارئة وهو ما كان واضحا خلال أشهر ما بعد ثورة يناير حيث تم الإنفاق من هذه الصناديق للتعامل مع المطالبات الفئوية والأزمات الخدمية المتكررة».

ولكن فى النهاية، فإن 95% من أموال الصناديق تنفق على شراء الهدايا والسيارات الفاخرة ومنح البدلات والمكافآت لبعض المسئولين، بحسب تقرير الجهاز المركزى للمحاسبات الذى يناقش حاليا فى مجلس الشعب، وحصلت الشروق على نسخة منه. لذلك يجب أن تكون البداية بتأمين وضع صغار الموظفين الذين يعتمدون بشكل أساسى على ما يأخذونه من الصناديق، وأن يعاد النظر فى جدول المرتبات الحكومية، وميزانيات المحليات والإدارات الحكومية المختلفة، ثم تضم تلك الصناديق للموازنة، للاستفادة من أموالها، وتحقيق مبدأ الشفافية ووحدة الموازنة، كما يرى الببلاوي، مؤكدا أن «إزالة الصناديق ستحتاج لوقت، وإذا تمت بشكل فجائى ستحدث أضرارا غير قليلة».

ومع وضع رقابة على الأداء المالى للصناديق الخاص بحيث تصبح أكثر شفافية، ستكون الأداة الوحيدة التى تمكن من جمع رسوم للإنفاق على خدمات بعينها يشعر بها المواطن بشكل مباشر، وهو ما يمكن من زيادة حصيلة هذه الصناديق حيث يكون المواطن أكثر استعدادا لدفع الرسم الذى سيستفيد منه بشكل مباشر فى شكل خدمة وهو ما لا يتحقق بنفس درجة الوضوح فى حالة الضرائب.

عندما تغيب الإرادة السياسية

يتذكر وزير مالية أول حكومة بعد الثورة الهجوم الذى شنه الوزراء ضده عندما طرح موضوع الصناديق الخاصة فى أحد اجتماعات مجلس الوزراء، «حسسونى إنى كفرت بربنا علشان قلت احنا عايزين نضم الصناديق دى للموازنة علشان نستفيد من أموالها، بدل ما احنا قاعدين ندور على أى قرش من أى حتة».

وهو نفس الهجوم الذى واجهه الببلاوي، خلفه فى المنصب، ففى أحد اجتماعات مجلس المحافظين، والذى يجتمع برئاسة رئيس الوزراء، «وجدت جميع المحافظين، وبلا استثناء تقريبا، فى ثورة جامحة ضدى بسبب منشور أصدرته المالية تطلب فيه من الجهات المختلفة، ومنها المحافظات، عدم الصرف من الصناديق الخاصة فى غير الأغراض المنصوص عليها فى قرارات إنشائها».

«المحافظون قالوا لى هذا المنشور سيعطل العمل فى المحافظات ويهدد بتوقف الأعمال، بل ربما يؤدى إلى إضرابات واعتصامات بين العاملين فى تلك المحافظات»، وطلب الجميع سحب هذا المنشور حتى ينتظم العمل فى المحافظات، وضغطوا بشدة حتى أرجأوا العمل بهذا المنشور (رقم 12 لسنة 2011) حتى الآن.

لا المركزى للمحاسبات مخطئ ولا المالية مخطئة

التقديرات تضاربت بين وزارة المالية والجهاز المركزى للمحاسبات فيما يتعلق بالأرصدة الموجودة فى الصناديق الخاصة، مما خلق بلبلة كبيرة، فبينما قدرت المالية هذه الأرصدة بنحو 36.5 مليار جنيه بنهاية العام المالى الماضى، فإن المركزى للمحاسبات ذكر أنها 47.7 مليار.

ويوضح رئيس مجلس إدارة الأهرام والمستشار السابق فى وزارة المالية، عبد الفتاح الجبالى أن هذا الفرق يرجع إلى أن المالية تحسب فقط إجمالى الأرصدة الموجودة بحساب الخزانة الموحد فى البنك المركزي، إلا أن جهاز المحاسبات يضيف إلى ذلك الأرصدة الموجودة فى بعض البنوك التجارية ولم يتم تحويلها بعد للمركزي، لذلك فتقديراته أعلى من المالية.

أما ما أثير من أن أرصدة الصناديق والحسابات الخاصة تصل إلى 1.3 تريليون جنيه، فإن هذا يرجع إلى القراءة الخاطئة لما جاء فى تقرير المركزى للمحاسبات عن الحسابات الختامية للموازنة العامة للدولة، والخلط بين الحسابات الجارية الخاصة (أى الحسابات الجارية بالموازنة والمخصصة لبنود بعينها)، وبين «الحسابات والصناديق الخاصة» التى يدور حولها الجدل.

ويؤكد الجهاز المركزى للمحاسبات أنه لم يتمكن من حصر جميع الصناديق والحسابات الخاصة الموجودة، فبعض الصناديق التى تحتفظ بها بعض الجهات فى البنوك التجارية لا تعلم عنها أية جهة رقابية شيئا، سواء وزارة المالية كجهة رقابة قبل الصرف، أو الجهاز المركزى للمحاسبات وهو جهة الرقابة بعد الصرف، وخاصة تلك الحسابات المتعلقة بوزارة الداخلية وجهات أخرى.

وبحسب تقرير لجنة الخطة والموازنة، فإن وزارة المالية نجحت فى نقل 80% من أرصدة الصناديق الخاصة من البنوك التجارية إلى حساب الخزانة الموحد.

ويرى عضو الجهاز المركزى للمحاسبات أنه لا يجب الاهتمام فقط بالرصيد المتواجد فى الصناديق بنهاية العام وما اذا كان 36 مليارا او 47 مليارا، لأن هذا «من شأنه تضليل المشرع ومتخذ القرار، إذ يجب الاهتمام بما يتم تحصيله، أى الإيرادات السنوية، وبحث قانونية التحصيل، وما يتم صرفه منها»، مشيرا إلى أن الإيرادات السنوية للصناديق وصلت فى العام المالى الماضى إلى 150 مليار جنيه.

وتحصل المالية حاليا على نسبة تتراوح ما بين 5 إلى 10% من الإيرادات السنوية للصناديق، حيث تختلف النسبة تبعا للاتفاق المبرم بين الوزارة والجهة صاحبة الصندوق، كما يوضح الجبالي، مشيرا إلى أنه فى بدايات إنشاء الصناديق كانت هذه النسبة 50%.

وبحسب بيانات المالية، التى لا تأخذ فى الاعتبار الحسابات الموجودة فى البنوك التجارية، فإن إجمالى عدد الصناديق بالعملة المحلية يبلغ 4225 صندوقا، و512 بالعملة الأجنبية، إلا أن تقديرات المركزى للمحاسبات، توضح أن إجمالى عدد الصناديق بالعملة الأجنبية، «التى أمكن حصرها فى البنوك التجارية وحساب الخزانة الموحد»، تصل إلى 620 صندوقا، و6361 أخرين بالعملة المحلية، تركز وجودها على النحو التالي:

34% فى الحسابات الخاصة للهيئات الخدمية (مثل الهيئة العامة للطرق والكباري، الهيئة العامة لمشروعات الصرف، الهيئة العامة للنقل النهري، وغيرهم)، حيث بلغت جملة فوائضها المرحلة نحو 32.9 مليار جنيه.

21% بوحدات الجهاز الادارى للدولة (مثل الوزارات والجهات التابعة لها) وخدماته حيث بلغت فوائضها المرحلة 20.4 مليار جنيه.

18% بوحدات الادارة المحلية (مثل المحافظات والمجالس المحلية وخلافه) حيث بلغت فوائضها المرحلة نحو 17.9 مليار جنيه.

19% بوحدات الهيئات الاقتصادية، مثل هيئة البترول وقناة السويس وغيرهما، حيث بلغت فوائضها المرحلة وصناديقها نحو 18.3 مليار جنيه.

7 % بالجامعات، وبلغت فوائضها المرحلة 6.4 مليار جنيه.

ويفرق أمين بين إيرادات الصناديق الخاصة وفوائضها المرحلة حيث إن قوانين الموازنة والمحاسبة الحكومية تسمح للصناديق بترحيل فوائض الصناديق (الفارق بين إيراداتها ونفقاتها السنوية) من عام مالى إلى آخر وهو الأمر الذى لا يتوافر بالنسبة للموازنة العامة للدولة التى تعود فوائضها لوزارة المالية. وفى الوقت الذى تلتزم فيه معظم الصناديق بإدراج إيراداتها ونفقاتها السنوية، بشكل غير مفصل، فى الموازنة العامة للدولة، فإن الفوائض لا تظهر فى الموازنة.

والحسابات الموجودة بالبنك المركزى بالعملة الاجنبية مقومة بأكثر من عملة مثل الجنيه الاسترليني، والدرهم الاماراتي، والدولار الكندي، والدينار الكويتي، والريال السعودي، والفرانك السويسري، والين الياباني، واليورو، والكراون السويدي، والكراون الدنماركي، والدولار الأمريكي، ومنتشرة فى جميع الوحدات التابعة للجهاز الادارى للدولة، تبعا لتقرير المركزى للمحاسبات.

وكمثال بلغت فوائض الحسابات الخاصة المتعاملة بالدولار الامريكى نحو 2.5 مليار دولار، وبالدينار الكويتى نحو 90 مليون دينار كويتي، فضلا عن فوائض الحسابات الخاصة بالجنيه الاسترلينى بلغت نحو 99 مليون جنيه استرلينى.

القانون يلزم المالية بالإشراف على الصناديق.. لكنها لا تعلم شيئا عنها

أُنشأت الصناديق الخاصة بموجب القانون رقم 53 لسنة 1973 الخاص بالموازنة العامة للدولة حيث أجازت المادة 20 منه الحق لرئيس الجمهورية فى إنشاء صناديق خاصة بموارد معينة لمقابلة مصروفات معينة، بحيث يكون للصندوق موازنة خاصة به ليست تحت مظلة الموازنة العامة للدولة.

وبعد ذلك تم إصدار عدة قوانين تعطى الحق للعديد من الجهات بإنشاء صناديق خاصة، مثل قانون الجامعات الذى يعطى الحق لمجالس إدارات الجامعات فى إنشاء صناديق ذات طابع خاص، وكذلك قانون التعليم لسنة 1981 وتعديلاته.

كما أن قانون الإدارة المحلية لعام 1979 يعطى الحق لمجالس الإدارات المحلية بإنشاء صناديق وفرض رسوم، وأيضا بموجب قرارات جمهورية أو وزارية أو من المحافظين ولا تعتبر سارية إلا بعد اعتمادها من وزارة المالية.

وفى عام 1981 صدر قانون 127 وخصصت فيه المادة 32 للمحاسبة الحكومية، والتى نصت أنه «على جميع الحسابات والصناديق الخاصة مراجعة واعتماد لوائحها المالية من لجنة اللوائح الخاصة بوزارة المالية»، ثم صدر قانون آخر فى 1992 يقضى بخضوع الصناديق والحسابات الخاصة لرقابة وزارة المالية قبل الصرف. أى أنه يجب أن يكون لدى وزارة المالية كل المعلومات عن الصناديق الخاصة فى الدولة بموجب القانون، إلا أن الوزارة لا تعلم شيئا على الإطلاق عنها»، كما يؤكد رضوان، مشيرا إلى أن «حوالى 25% من الصناديق تم اعتمادها لوائحها من المالية، وباقى الصناديق التى لم تعتمد لم تتوقف أنشطتها».

ولتضييق الخناق بشكل أكبر على الصناديق الخاصة صدر قانون فى عام 2006 بتعديل بعض أحكام المحاسبة الحكومية، يقضى بإنشاء حساب لدى البنك المركزى يسمى «حساب الخزانة الموحد» يشمل جميع حسابات وزارة المالية ووحدات الموازنة العامة للدولة والحسابات المتنوعة ذات الأرصدة وما يحدده وزير المالية من حسابات، على أن يتم التعامل على هذا الحساب اعتبارا من موازنة 2005/2006.

إلا أن المادتين (30 مكرر) و(30 مكرر 1) من القانون استثنيتا وزارة الدفاع وهيئة الأمن القومى وجميع أجهزتها، وكذلك صناديق التأمين والمعاشات والرعاية الاجتماعية والصحية من هذا الأمر. ويذكر أن القانون يعطى الحق لوزير المالية لاستثناء بعض الصناديق من الدخول فى حساب الخزانة الموحد، «من الممكن أن يكون غالى قد استثنى بعض الصناديق، ولا أحد يعلم عنها شيئا».

وبالرغم من أنه تم نقل 80% من أرصدة الصناديق والحسابات الخاصة لدى البنوك التجارية إلى حساب الخزانة الموحد بالمركزي، تنفيذا لأحكام القانون، إلا أن الخزانة العامة غير مسموح لها التدخل فى أوجه أو كيفية صرف تلك الحسابات والصناديق. كما تظل هذه الأرصدة وما يعود عليها من عوائد ملك للجهات الإدارية المختلفة، التى تمتلك الحرية الكاملة للتصرف، صرفا وإيداعا دون أدنى تدخل من أى جهة أخرى سواء وزارة المالية أو الخزانة العامة والبنك المركزى

أنواع الصناديق الخاصة

حسابات وصناديق مستقلة بذاتها تمثل كيانا إداريا يدخل فى الموازنة العامة للدولة بمسماه، مثل «صندوق التنمية الثقافية»، و«صندوق السجل العينى»، و«صندوق دعم وتمويل المشروعات التمويلية»، و«صندوق دور المحاكم والشهر العقارى»، و«صندوق دعم وتطوير خدمات الطيران»، وغيرها.

صناديق تتبع الوحدات الإدارية التى أُنشأت سواء فى الجهاز الإدارى أو المحافظات أو الهيئات الخدمية، مثل حساب الخدمات والتنمية المحلية بالمحافظات، وحساب الإسكان الاقتصادى بالمحافظات، وحساب استصلاح الأراضى، وصناديق تحسين الخدمة، وغيرها.

صندوق«غرامة المخابز»

كل شهر يذهب مفتشو مباحث التموين إلى المسئولين عن المخابز البلدى للتأكد من الالتزام بوزن الرغيف وانتاج كامل حصة الدقيق التى يستلمها المخبز، وفى أغلب الأحوال يجدون الإنتاج أقل من الحصة المفترض إنتاجها، فمن المعروف أن كل المخابز تقريبا لا تنتج كل الحصة التى تتسلمها من جوالات الدقيق المدعم بل تبيع جزءا منها فى السوق السوداء بأسعار مرتفعة جدا.

وعندما يجد المفتش أن هناك عجزا فى 400 جوال على سبيل المثال، يقوم بفتح محضر لهذا المخبز وفرض غرامة عليه قد تصل إلى 20 ألف جنيه، ويقوم المسئول فى المخبز بدفع الغرامة وهو «سعيد جدا»، لأنه يكون قد ربح أضعاف هذه الغرامة عندما باع الدقيق فى السوق السوداء.

وتلك الغرامات المحصلة من اصحاب المخابز يتم ايداعها بحساب خاص بالمحافظة المعنية حيث يصدر المحافظ قراراه بكيفية التصرف فى تلك الغرامات والتى تكون معظمها مكافآت لمفتشى التموين والمشرفين عليهم والمستشارين بالمحافظة.

هكذا يتم تجميع موارد صندوق «غرامة المخابز» الموجودة فى كل المحافظات تقريبا، كما يقول عضو الجهاز المركزى للمحاسبات.

صناديق وزارة الداخلية

يوجد لدى وزارة الداخلية أكثر من 40 صندوقا، أهمها صندوق “تأمين لوحات السيارات» والذى يزيد رصيده الآن على 600 مليون جنيه، وصناديق رسوم المرور والتى تشمل رسوم رخص تسيير السيارات»، ورسوم رخص قيادة السيارة، ورسوم بطاقات التعريف للسائقين المهنيين، ورسوم الاختبار الشفوى لطالبى رخص القيادة، ورسوم فحص السيارات والفحص البيئي، وتقدر إيرادات تلك الصناديق بما يزيد على 2 مليار جنيه سنويا، وقد تم تحصيل عدد من هذه الرسوم بالتكرار بالخطأ المتعمد، وكان يتم الصرف من تلك الصناديق بمعرفة وزير الداخلية الأسبق ومساعدوه، كما يقول يسرى.

ويوضح الجبالى أن صناديق الداخلية قانونيا ملزمة بأن تكون داخل حساب الخزانة الموحد، إلا أن حساباتها مودعة فى بنوك تجارية، مما يصعب معرفة حجم أموالها بدقة.

بعد الثورة تم الإنفاق من الصناديق للتعامل مع المطالبات العمالية والأزمات الخدمية المتكررة

العبرة بعدد السكان وليس مستوى الدخل

بالرغم من أن المنطق يقول إن المحافظات ذات الدخل المرتفع تكون إيرادات صناديقها أكبر، إلا أن الواقع فى مصر يشير إلى عكس ذلك، فبحسب النتائج التى توصل إليها أمين فى دراسة له عن الصناديق الخاصة، فإن المحافظات التى يكون متوسط دخل الفرد بها مرتفعا نسبيا، تكون إيرادات ومصروفات صناديقها منخفضة نسبيا، وهو ما دل على أن إيرادات الصناديق ترتبط بالرسوم التى تفرض على السكان فى المحافظات بدلا من الاعتماد بشكل أكبر على القدرة المالية لمحافظات.

ولذلك فإن المحافظات ذات العدد الأكبر من السكان هى نفسها ذات القدرة على تحصيل قدر أكبر من الإيرادات لصناديقها وحساباتها المحلية الخاصة، وتحقيق مستوى أعلى من الإنفاق.

الصناديق الخاصة فى دول العالم

يوضح أمين أن دول العالم تقوم فى بعض الأحيان بإنشاء حسابات وصناديق خاصة تكون لها لوائح مالية وتنظيمية خاصة بها، ومع ذلك فإنها تصر على أن تدرج موازنات هذه الحسابات ضمن الموازنة العامة للدولة، سواء كان ذلك بشكل تفصيلى وفقا لبنود الموازنة المعتادة، أو فى شكل اعتمادات إجمالية سنوية. وضرب مثلا بالصناديق الائتمانية بالولايات المتحدة، حيث إن جميعها مدرجة داخل الموازنة، باستثناء صندوقين ائتمانيين للتقاعد والحماية الاجتماعية.

وتشير الخبرات الدولية إلى أن انقسام الصناديق والحسابات الخاصة إلى مئات أو آلاف من الوحدات الجزئية يؤدى إلى إضعاف إدارة المالية العامة. فعلى سبيل المثال، عدد كبير من الصناديق الخاصة فى دول أوروبا الوسطى والشرقية فى بداية التسعينيات، بما فيها روسيا وبولندا وبلغاريا وتركيا، كان لها أثر سلبى على الأداء المالى الكلى الخاص بها. وتشير الخبرة المصرية إلى نفس التوجه، حيث إن الصناديق والحسابات الخاصة بها عادة ما تتفرع عنها العشرات من الصناديق الفرعية للتى يكون من المستحيل تتبعها وإخضاعها للرقابة.
المصدر : جريدة الشروق العدد بتاريخ – 17 / 5 / 2012

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: