باسل مجدي : حرب اللاعنف والنضال فوق الدستوري ” الدرس (8) “

من كتاب (حرب اللاعنف.. الخيار الثالث) أكاديمية التغيير

هناك مساران رئيسان لحسم الصراع السياسي:

المسار البارد: وتستخدم فيه آليات الحوار والتفاوض والانتخابات والاستفتاءات الجماهيرية وغيرها. ويحرص من ينتهجون تلك المسارات على الالتزام بالأطر القانونية، وهي سبيلهم لتحقيق ما يريدون. وهو ما نراه واضحاً في الأحزاب والهيئات والمؤسسات في المنظومة الغربية الديمقراطية. حيث تم التراضي على هذه الوسائل في إدارة الصراع.

المسار الساخن: تلجأ إليه الأحزاب والحركات في الصراعات الصفرية ضد الديكتاتوريات، حين تكون المسارات الدستورية خاضعة لسيطرة الخصوم المعاندين وللأنظمة الديكتاتورية بشكل كامل. فعندما تكون الأنظمة المستبدة قادرة على لي عنق الدستور والقوانين أو عدم تطبيقهما، وصياغة ما يناسبها من قوانين جائرة، وإلغاء وتجاهل ما يهدد وجودها واستقرارها من القوانين؛ تصبح المسارات الدستورية غير مجدية، وحينها تلجأ قوى التغيير إلى المسارات الساخنة “فوق الدستورية”، إما عبر مسار ساخن عنيف كالانقلابات العسكرية وحروب العصابات، أو مسار ساخن غير عنيف “حرب اللاعنف”. في الحالتين يتم تغيير قواعد اللعبة السياسية لمحاولة نزع الشرعية عن النظام المستبد، ويتم خلق قنوات جديدة مشروعة وفعالة مقارنة بقنوات الديكتاتور الذي يصبغها بالشرعية.

وبناء على ما سبق، تُصنف “حرب اللاعنف” في المسار الساخن، وهي موضوع دراستنا. وبفهم طبيعتها يمكن أن تتقي الشعوب الدخول في دوامة العنف المسلح، حين تكون المسارات الدستورية موصدة، ويصبح أمام الشعوب خياران أساسيان.. العنف أو الاستسلام… حينها تبرز حرب اللاعنف كخيار ثالث.

حين يكون هناك تزوير في الانتخابات

وكما يفيدنا هذا التقسيم في الفصل بين المسار الساخن والمسار البارد، فهو كذلك يفيد في الفصل بين المسارات السلمية التي تتم عبر آليات دستورية تتحكم فيها الديكتاتوريات، وبين مسارات سلمية تغير قواعد اللعبة. فحرب اللاعنف لا تسلك عادة النضال الدستوري، ولا تعتمد على الإجراءات القانونية الجائرة القائمة، سواء لعلة في القانون أو في تطبيقه. لذلك لا تصنف الانتخابات من وسائل حركة اللاعنف، فالانتخابات وسيلة باردة تستخدم في النظم المتحضرة، وهي السبيل إلى التنافس على السلطة حين يضمن الناخب ألا يُسرق صوته.

تعتقد أحياناً حركات التغيير أن النضال الدستوري والدخول في الانتخابات البرلمانية يمكنها من أن تحدث التغييرات المطلوبة ضد نظام ديكتاتوري لا يتورع عن سحق شعبه وسرقة صوته، وحيث تكون اللعبة الانتخابية معدة من قبل، وتكون عملية التزوير معروف بحدوثها مسبقاً. وحيث يستدعى الأموات للتصويت من قبورهم.

قد تكون الانتخابات أحياناً ثمرة لحرب اللاعنف في حالة نجاحها، مثل الانتخابات الحرة التي تعقب الثورات، ويعتبر “تحرير صندوق الانتخابات” من الإنجازات المهمة لحرب اللاعنف.. ، بعد النجاح في “تحرير إرادة الشعب” وإعادة تعريفه لذاته.

الوسائل السلمية الباردة والساخنة

ويمكن القول أن عمل مظاهرة بتصريح رسمي يعد من الوسائل البادرة.

بينما كتابة مقال معارض يكسر المحرمات السياسية (بسبب قوانين جائرة تتعلق بالنشر) يدخل ضمن حرب اللاعنف.

بالرغم من أن التظاهرة تبدو كعمل أقوى تأثيراً، لكنها في الحالة المذكورة أعلاه تمت بتصريح وبشكل قانوني.

وقد تبدأ المظاهرة بتصريح، فيتم التعامل معها بقمع مفرط، فتتحول في اليوم التالي إلى مظاهرة يعلن فيها التحدي السياسي وتخرج بدون إذن رسمي من السلطات.

لسنا هنا في مجال تفضيل، لنقول أن الأفضل هو عمل التظاهرات بدون تصريح، لكننا نميز فقط المصطلح عما سواه، فحين نقول “حرب اللاعنف”، فإننا نتحدث عن صراع صفري وأجواء ثورية، وستكون من سمات وسائله التحدي السياسي. أما من الناحية العملية فربما يتطلب النشاط أخذ تصريح، وترى حركة التغيير أنه لا داعي للتصعيد، فهي فقط تريد أن تعبر عن موقف، لا أن تشن حرباً، حينها تكون قيادة حركة التغيير قررت أن تسلك مساراً لا يندرج تحت مسمى “حرب اللاعنف”. وربما يكون هو الأنسب لحالتها وإمكاناتها وطبيعة مطالبتها.

والرؤية الاستراتيجية للحركة هي التي ستحدد نمط تحركها، ومدى الدمج بين الوسائل السلمية الباردة و”حرب اللاعنف”، وهي هنا براعة المخطط في استثمار الإمكانات المتاحة، سواء كانت عبر وسائل يقرها القانون، أو بانتهاك القانون الجائر.

للاطلاع

الأنابيب الشرعية

حوار بين الشرعية والمشروعية

ذهبت إلى “المكوجي” كي أتسلم ملابسي، قال لي متأسفاً: أعتذر سيدي لقد أُحرقت ملابسك. سألته: وما العمل إذن؟ قال لي: اتصل بهذا الرقم سيرد عليك المدير… اطلب منه تعويضاً مالياً.. اتصلت بالرقم فرَدّ عليّ الرجل بأدب… طلب مني أن آتي إلى المحل اليوم التالي لآخذ مبلغاً اتفقنا عليه. أتيت في الموعد… سألت “المكوجي” عن المال، أجابني أن المدير لم يأت بعد، ولم يترك مالاً، عليّ إذن أن أحاول الاتصال بالمدير مرة أخرى عبر الهاتف. استمر هذا الوضع حوالي خمس مرات، في كل مرة أذهب للـ”مكوجي” ثم أكلم المدير، لكن دون جدوى.. حتى أنه في المرة السادسة لم يرد. قررت ألا أسلك الطريق الذي حدده هو لي، طريق الذهاب إلى “المكوجي” ثم الاتصال الهاتفي، فعليّ أن أعمل بطريقتي أنا، وطالما أن المدير يريد أن يلعب معي “استغماية” أو “غميضة” -أياً كانت لكنته؛ فسأضع له قواعد اللعبة. علقت لوحة قماشية في مدخل الشارع… “المكوجي الذي في نهاية الشارع حرامي… لا تتعاملوا معه… للمزيد من التفاصيل اتصل بي على الرقم التالي”… ثم كتبت رقم هاتفي موقناً أن المدير سيتصل بي إن رأى اللوحة.. وقد كان!! لقد وضع صاحب المحل قانونه بإحكام ليضمن كل شيء إلا حصول الزبائن على حقوقهم، واختار قناة شرعية، بل أنبوبة أطالب من خلالها بحقي وهي الذهاب إلى محله ثم الاتصال الهاتفي به.. لقد أدركت مبكراً أن استعمال قانونه في انتزاع حقي أمر عبثي، لأنه من صنع الخصم، والقنوات الشرعية من نحته، حينها يجب التفكير في بدائل أخرى، حينها يجب اكتشاف قوانين جديدة لم تُكتب بعد. فالقوانين موجودة قبل أن تُكتب، وعملية الكتابة ليست إلا اكتشافاً ثم تدويناً صريحاً لقوانين تحكم الحياة، أليست قوانين فيزياء الكون موجودة قبل أن يكتشفها العلماء ثم يدونوها؟! وعندما نسن القانون الخطأ؛ نكون بذلك قد أخفقنا في اكتشاف قانون الحياة. وعندما يمسك خصومك بمقاليد صناعة القانون؛ يجب أن تنتبه ولا تسقط في فخ الالتزام المطلق بما نحتوه، فثمة قوانين أخرى لم يسجلوها، ودورك أن تكتشف هذه القوانين وتسعى بكل وسيلة لتدوينها. وهناك قوانين ناقصة تحتاج إلى إتمام، فقانون الاتصال الهاتفي بالمدير ليس قانوناً سيئاً، لكنه يحتاج إلى من يُتِم صياغته، فكل ما فعلتُه أنني أكملت نص القانون قائلاً: “إذا لم يتجاوب المدير مع الاتصال علق لوحة في الشارع تفضحه”. أي أن دور المجتمع هو الامتثال للقوانين العادلة التامة، واستكمال صياغة القوانين العادلة الناقصة لتصبح فعالة، وخرق القوانين الظالمة، وعندما نخرق قانوناً ظالماً فإننا بذلك نكتشف قانوناً آخر، إننا نكتب فوق القانون الجائر قانوناً جديداً بخط أكثر وضوحاً، فقانون الخرق هو ممحاة القوانين الجائرة، فالقانون الظالم يقول “احصل على حقك من خلال مسارات يحددها خصمك”، والقانون المكتشف الذي ستدونه هو “احصل على حقك من خلال مسارات فعالة تختارها أنت”. وإذا كان مسارك المختار بدوره جائراً، حينها يجب اكتشاف القانون الذي يمحوه، وتدوينه بدلاً منه، المهم هو عدم الرضوخ للقانون الجائر بحجة أنه هو القانون المدون. إن الفرق بين التدوين واللاتدوين، بين قانونهم وقانونك، يمكن أن نطلق عليه الفرق بين الشرعية والمشروعية، فالقانون المكتوب من قبل المدير يعبر عن الشرعية، فمن التزم به قد التزم الطرق الشرعية، أما القانون الذي ستكتشفه أنت فيعبر عن المشروعية، مشروعية أن تقاوم الظلم، فخرق القانون الظالم عمل مشروع إنسانياً لكنه ليس شرعياً وفق القانون المكتوب. لكنك بكثرة الأخروقات للشرعية الظالمة تكون قد بدأت محاولة كتابة قانون جديد، وتأسيس شرعية جديدة، ويوم أن تستكمل كتابة القانون الخارق –بالقول والفعل- سيكتسب الخرق المشروع صفة الشرعية. كان بعض المطالبين بحقوقهم المسلوبة من ضحايا محل كَيِّ الثياب يرددون، سنلتزم بالقنوات الشرعية مهما تكن الظروف، وعبثاً حاولت إقناعهم أن القناة يجب أن تكون فعالة، ليست العبرة بمجرد وجود القناة، ماذا لو كان الخصم قد سد هذه القنوات ففقدت فاعليتها؟! ماذا لو لم يرد على الهاتف؟ أليس البقاء داخل الأنابيب الشرعية يكرس الظلم؟؟!! لكنني لاحظت بعد حوار طويل أن البعض تروقهم هذه الأنابيب الشرعية، فهي تحدد حركتهم وتجعلهم يعملون في إطار تقليدي قد اعتادوه. كما توهمهم أنهم يفعلون شيئاً ذا قيمة، خاصة عندما يحني المرء ظهره وينبطح في قاع الأنبوبة محاولاً تسلق جدارها بعزيمة وحماس، وكلما ارتفع في التسلق نادى في الجماهير خارج الأنبوبة الشرعية لعلها تستجيب وتلتحق بموكب الصعود، وكم تسوؤه حالة اللامبالة ممن هم خارج الأنبوبة، لكنه يصر على استكمال الطريق ولو ظل وحيداً، فيستمر في تسلق جدار الأنبوبة، وما إن يكاد يصل إلى فوهتها حتى يجد نفسه يطفو على بحر من العرق، فيزداد إحساسه بالمسئولية، وبعظم الجهد المبذول، فينادي فيمن معه في الأنبوبة، ها قد اقترب الفرج، وعندما يلامس سقف الأنبوبة تبدأ المهمة الأصعب، وهي فتح الغطاء، لكنه يفاجأ أن الغطاء مفتوح، وما إن يرفعه حتى تلفحه رياح عاتية تسقطه ومن معه في قاع الأنبوبة من جديد، فقد وضع مدير محل كيِّ الثياب يده في جيبه، ثم أخرج المحفظة، ثم فتحها، ثم أخرج منها الأنبوبة الشفافة، ثم نزع غطاءها، ثم نفث في مناضلي الأنابيب الشرعية نذراً من هواء الزفير.

شاهد مناظرة حول العنف واللاعنف

http://www.ikbis.com/shots/296260

تدريب:

أدر نقاشاً نقدياً مع مجموعتك حول ما طرح سابقاً من حيث:

متى تستخدم الوسائل الدستورية ومتى تستخدم الوسائل فوق الدستورية؟

من الذي يحدد أن القانون يجب انتهاكه؟

ما الذي يضمن أن انتهاك القانون لن يقود إلى فوضى؟

هل يمكن أن يكون انتهاك القانون بحرب اللاعنف صمام أمان يحول دون انتهاكه بالعنف حين يفيض الكيل بالشعوب؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: