بقلم. عمرو الشوبكي : بين المجلس العسكرى والإخوان

لم يكن وارداً المقارنة بين المجلس العسكرى الذى يمثل رأس المؤسسة العسكرية المصرية وبين الإخوان المسلمين، ما لم تضطر الظروف المجلس العسكرى لتولى أمور البلاد، وإلا ظل الجيش مؤسسة وطنية ذات تقاليد مهنية عظيمة لا يمكن مقارنتها بأى مؤسسة سياسية أو اجتماعية أو دعوية أخرى.

وبما أن المجلس العسكرى قد حكم البلاد، فقد شاءت الأقدار أن يكون شريكه أو منافسه، هو جماعة الإخوان المسلمين، التى تتسم بصفات مختلفة عن كل الأحزاب السياسية من حيث تغلغل ثقافة السمع والطاعة، واحترام التسلسل التنظيمى، والطاعة الكاملة للقيادة فى وضع شبيه بالتسلسل العسكرى.

بالمقابل، فإن جماعة الإخوان، وعلى خلاف المؤسسة العسكرية، هى جماعة دينية وسياسية، وفى الوقت نفسه لديها وجود شعبى وجماهيرى منظم فى كل حارة وقرية ونجع، فى حين أن وجود الجيش فى الشارع هو وجود معنوى، وليس حزبياً يتمثل فى احترام الناس له وحبهم له كمؤسسة وطنية جامعة.

النشاطان السياسى والدينى محرمان داخل الجيش المصرى، مثل كل الجيوش المحترفة فى العالم، فالجيش المصرى لا يمكن وصفه بأنه جيش ثورى مثل جيش القذافى، الذى انهار بعد أسبوع من اندلاع الثورة الليبية، لأنه لم يكن له علاقة بالاحتراف أو المهنية، فى حين أن الجيش المصرى هو جيش وطنى محترف قطع علاقته بالجيش المسيَّس، مسؤول عن هزيمة 67، لصالح الجيش المحترف، مسؤول عن نصر أكتوبر وحماية الشعب والدولة أثناء وبعد الثورة، وهو أمر يختلف عن أى جماعة دينية أو سياسية فى مصر.

المفارقة أن هذا الجيش غير السياسى وجد نفسه مسؤولاً عن إدارة المرحلة الانتقالية الأصعب سياسياً فى تاريخ مصر، فاضطر لأن يدخل ساحة السياسة، وهنا اتسمت قراراته بالبطء والتخبط، فى حين اتسمت حركة الإخوان بالسرعة والمناورة والتراجع عن الوعود تحت حجة تغير الظروف السياسية، كما جرى بالنسبة للمرشحين فى الانتخابات التشريعية، والترشح فى انتخابات الرئاسة رغم الوعد بعكس ذلك.

فى حين تشابه الإخوان والجيش فى الانضباط التنظيمى، فكما قال وزير أوروبى أثناء إحدى زياراته للقاهرة: «هناك رئيس تتفق معه، قائداً فى الجيش ومرشداً فى الإخوان، وهناك عنوان لكل منهما وأدوات يمتلكانها قادرة على تنفيذ أى اتفاق إذا أرادا، وهذا على خلاف الائتلافات الثورية التى لديها مائة عنوان وألف زعيم».

المؤكد أن انضباط الجيش وتماسكه أمر فى صالح كل مصر، فى حين أن انضباط الجماعة وتماسكها فى صالح أعضائها، وهو أمر يحسب لها فى كل الأحوال، خاصة إذا قورنت الماكينة التنظيمية للإخوان بباقى الأحزاب والحركات السياسية التى تمثل صوت احتجاج على الإخوان أو المجلس العسكرى أكثر من كونها بديلاً سياسياً مقنعاً لأغلب المصريين.

والواقع أن الصراع على السلطة حالياً بين الجيش والإخوان يختلف عن الصراع الذى دار فى 54 بين الجانبين، ففى الحالة الأولى كان الجيش طرفاً مبادراً قام بالثورة فى يوليو 1952، ووضع الضباط الأحرار وجمال عبدالناصر أعناقهم على كفوفهم، وخرجوا فى 23 يوليو لتحرير البلاد من فساد السلطة الملكية والأحزاب، وسمع الشعب خبر الثورة فى الراديو بصوت أنور السادات، فى حين أن الشعب المصرى هو الذى قام بالثورة فى 25 يناير، وأن الجيش كان فى ثكناته يمارس حياته العسكرية بشكل اعتيادى، وفوجئ بالثورة، كما فوجئ الشعب المصرى بثورة جيشه عام 52.

ومع ذلك، فإن قيام الشعب بالثورة لم يحل دون وجود قطاع من النخبة ومن الشباب أيضاً. اتسم أداء الأول بقدر كبير من الانتهازية والتهافت على مصالح ضيقة، والثانى بالمراهقة والاستعلاء على خلق الله وكراهية حقيقية للتعلم، لأن الجهل أفضل طريقة لتخوين نصف مصر، حتى تحولت البلاد إلى ساحة من المزايدة والضجيج بلا أى طحين، وهو ما جعل هناك تياراً واسعاً داخل المجتمع المصرى يتمنى «البديل المنضبط»، أو يدافع عن «المستبد العادل»، الذى تمثله صورة العسكرى فى ذهن قطاع من المصريين.

إن الصراع الحالى بين المجلس العسكرى والإخوان لن يعيد البلاد لأجواء 1954، إلا إذا فشلت النخبة السياسية بشكل كامل ووصلت البلاد إلى حالة من الفوضى الحقيقية، عندها لن نعود أيضاً إلى 54 إنما إلى حلول جراحية من خارج المشهد السياسى يرتبها الجيش فى مرحلة ما بعد المجلس العسكرى.

لن يربح الإخوان صراعهم مع الجيش، ولن يستطع الأخير أيضاً إقصاءهم، كما فعل الجيش الثائر فى 54، لأن الجيش المصرى تقدم للأمام وتحول إلى جيش محترف غير ثائر وغير سياسى، فى حين أن مشكلة الإخوان ستظل مع الدولة العميقة بكامل مؤسساتها، بما فيها الجيش، التى مازالت ترتاب فيهم ولا تثق بنواياهم ومعهم قطاع من المصريين.

ولأن الإخوان يسعون للوصول للحكم بالديمقراطية فإنهم ساروا فى معظم خياراتهم فى الاتجاه الخطأ حتى أصبحوا فى نظر قطاع واسع من المصريين طلاب سلطة بأى ثمن، عكس كل ما كانوا يتحدثون فيه فى الماضى من زهد.

والواقع أن الطريق إلى السلطة أمر مشروع بشرط إعطاء إشارات للمجتمع والدولة أن هذا الوصول لن يكون أبدياً، ولن يكون على حساب الدستور وقوانين الدولة، وهو ما جرى عكسه تماماً فأديرت عملية تشكيل اللجنة التأسيسية بشكل خاطئ، وأعلنت جماعة الإخوان المسلمين عن مرشحها لانتخابات الرئاسة، فى الوقت الذى تستهين فيه بقوانين الدولة التى ترغب فى حكمها، وترفض أن تكيف وضعها مع أى قانون حتى تستمر خارج الرقابة وفوق الدولة وقوانينها.

وتبقى مسؤولية المجلس العسكرى كبيرة فى أنه لم يتدخل بشكل صارم فى ترتيب قواعد المرحلة الانتقالية: إما لعدم خبرته السياسية، أو بسبب الضعف الذى ورثه بعض قادته من العمل مع «مبارك» لسنوات طويلة، والنتيجة: «مرحلة انتقالية مشوهة وسيئة».

لن يواجه المجلس العسكرى الإخوان المسلمين فى صراع مفتوح، إنما قد يفشل الإخوان ومعهم النخبة السياسية فى إدارة البلاد فنعود للمربع الأول: سلطة من خارج النخبة السياسية، لكنها لن تكون «مبارك» آخر ولا «عبدالناصر» جديد، إنما مرحلة انتقالية أطول، نرجو ألا ندخل فيها إذا خلصت نوايا الإخوان وباقى القوى السياسية.

Advertisements

One response to “بقلم. عمرو الشوبكي : بين المجلس العسكرى والإخوان”

  1. mo'men hassan says :

    انا عايز اكون عضو فعال وقيادي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: