باسل مجدي : طبيعة القوة ” الدرس (5) “

من كتاب (حرب اللاعنف.. الخيار الثالث) إصدار أكاديمية التغيير
هناك نظريتان أساسيتان تصفان وتفسران طبيعة القوة السياسية:
نظرية القوة الأحادية (الذاتية)
نظرية القوة متعددة المصادر

نظرية القوة الأحادية: ترى أن الأفراد والجماهير يعتمدون في بقائهم واستقرارهم على حسن أداء حكومتهم وقراراتها، وبالتالي فهم يخضعون لها ولإرادتها، فقوة الحاكم فيها ذاتية وهو مصدرها ولا يحتاج إلى من يمده بها، وهو الذي يفيض من قوته على الجماهير ليمدهم بترياق الحياة والبقاء.
يقول جين شارب في بحثه عن القوة السياسية: “في الصراعات … فإن هذه القوة – وفقاً لهذه المواصفات المفترضة – لا يمكن كسرها أو السيطرة عليها من قبل الأفراد، ولكن بواسطة التهديد أو استخدام القوة المادية الصلبة. وإذا كان صحيحاً أن القوة السياسية تملك من القوة والمتانة ما للهرم الصخري الكبير؛ فإن هذا يعني أنه لا يمكن التحكم في مثل هذه القوة إلا بتقييد الحكام لأنفسهم طواعية أو بتغيير ملكية هذه القوة الأحادية – سواء بالإجراءات الاعتيادية مثل الانتخابات أو غير الاعتيادية مثل الاغتيالات أو الانقلابات العسكرية أو بواسطة العنف المدمر كالحروب التقليدية. ولا يمكن ممارسة أياً من الضغوط الأخرى المؤثرة سوى الضغوط التدميرية”.

وتماشياً مع هذه النظرية وفرضياتها فإن قوام الفعل السياسي هو تدمير وإزالة الخصم، عبر استدعاء الجيوش الخارجية أو تكوين جيش قوي يحارب الجيش النظامي أو عبر الانقلابات العسكرية والاغتيالات السياسية وما شابه ذلك من أعمال.

نظرية القوة متعددة المصادر: على النقيض تنظر هذه النظرية إلى القوة على اعتبارها هرماً يتكون من مجموعة كبيرة من الصخور، وكلما أزلت منه صخرة ازداد ضعفه، فهو هرم يمكن نحته شيئاً فشيئاً، ولا حاجة إلى تدميره بالكلية، وأصحاب هذه النظرية يرون أن القوة السياسية تعتمد في بقائها وقوتها على التزود بها من مصادرها، من خلال تعاون حشود الجماهير والمؤسسات، ونظراً لأن القوة موزعة بين مجموعات ومؤسسات كثيرة في المجتمع؛ فإن السيطرة عليها من قبل الديكتاتوريات أمر صعب، ويعتمد على إمكانية الحاكم في توجيه سلوك الناس.

فهذه النظرية تقوم على فكرة ركائز الدعم. ونقصد بذلك أن القوة في المجتمعات غالباً ما يعبر عنها من خلال المؤسسات والأفراد ذوي الوزن والتأثير، وهم الذين يمثلون الركائز التي يستمد منها المجتمع قوته. ومن أهم ركائز القوة في المجتمعات:

·مؤسسات الجيش والشرطة.
.المؤسسات التشريعية والرقابية
·المؤسسات الإعلامية والإعلاميين.
·المؤسسات القضائية.
·المؤسسات الخدمية.
·المؤسسات الدينية.
·المؤسسات التعليمية.
الخ
ومن ثم فإن قوام الفعل السياسي في هذه النظرية أمران:
1.إصابة الحاكم بالمجاعة السياسية: أي عزله عن مصادر قوته عبر التحكم فيها وتفكيك الروابط بين الحاكم ومصادر القوة، ورد التحكم في القوة إلى مكانه الطبيعي بين أفراد ومؤسسات المجتمع الذي تقوم السلطة التنفيذية على خدمته وتسهر على رعايته.
2.التأثير في وعي الحاكم بموازين القوى: فعبر التحكم في مصادر القوة وسحب التعاون التام ينقلب وعي الحاكم بموازين القوى، وتصبح قوى القمع – أداة القوة الرئيسة في الأنظمة الديكتاتورية – غير فعالة في مواجهة الشعب اللامتعاون بهيئاته ومؤسساته وأفراده، وبالتالي تنكسر إرادة الحاكم وتتحول القوة إلى مكانها الطبيعي في مجتمع اللاعنف.

وتعتمد حرب اللاعنف على الانطلاق من نظرية القوة متعددة المصادر، فهي لا تستهدف الحاكم ذاته، ولكنها تستهدف عزله عن مصادر قوته، من خلال العصيان، فالطاعة والإذعان هما من يسيران أي نظام، والطاعة يمنحها المجتمع وقتما يقرر دعم حكومته، ويسلبها حين يقرر إسقاطها مثبتاً أنه مصدر القوة الحقيقية.
ولذلك فهي تسعى إلى تغيير وعي الناس بطبيعة القوة، وإعادة تعريفها لذاتها، وينتج عنها مجتمعاً قوياً قادراً على دعم أو معارضة أو الإطاحة بحكومته.

للاطلاع
هل يعود الدعم أم يستمر العصيان؟

تقوم الثورات اللاعنيفة على فكرة العصيان، فالنظام يعتمد في بقائه على تعاون الشعب، من خلال الطاعة والعمل في المؤسسات، وبتوقف حركة العمل وتفعيل مبدأ العصيان يتهاوى النظام بعد أن يصاب بالشلل.
بعد ذلك تتشكل في الغالب حكومة انتقالية، دورها قيادة الانتقال من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، إلا أن الخطأ الكبير الذي قد يقع فيه البعض هو البدء بمحاسبة تلك الحكومة قبل أن يبدأ بدعمها… وهو بذلك ينقلب على نظرية الثورة القائلة بأن النظام يقوم على دعم الشعب!! متخيلاً أن الحكومات هي من يمد المجتمع بطاقة الحياة، وبالتالي يبدأ في مساءلة الحكومة دون أن يقوم هو بواجبه، وهو تصور نابع عن الوعي المقلوب بالقوة في المجتمع جراء الحكم الديكتاتوري، حيث كان النظام يوهم الناس أنهم معتمدون بالأساس عليه وليس العكس، وأنه هو الذي يمدهم بالقوة ويطعمهم ويكسوهم. وبالتالي فهم في حاجة دائمة له.
تأتي الثورات اللاعنيفة لتقلب هذا المفهوم قائلة أن القوة بيد المجتمع، وهو الذي يمنح الحكومة القوة بدعمه لها، أو يسقطها بسلب الدعم منها. وبالتالي فسحب الدعم من النظام السابق يهدمه، لكن النظام الجديد لن يقوم لمجرد تعيين حكومة، بل يجب أن تسترد الحكومة الدعم مجدداً حتى يمكن أن تحقق أهداف الشعب وإلا عدنا إلى فكرة تأليه الحاكم واستغنائه عن الشعب.. أي أن الشعب لا يكفي أن يسلب الدعم من النظام السابق متصوراً أنه بذلك قد أدى واجبه، يجب أن يعيد الدعم لبناء النظام الجديد.
والدعم لا يعني المباركة والتأييد فحسب، وإنما العمل الجاد لبناء المجتمع القوي الذي يملك المؤسسات القادرة على دعم برنامج الحكومة. ودور الحكومة في هذه الفترة هو توفير التسهيلات اللازمة لقيام تلك المؤسسات.
إن أي حكومة تحمل مشروع التغيير ستعترضها عقبات كثيرة في المرحلة الانتقالية، منها ما يتعلق ببقايا النظام القديم ومحاولات التخريب وعرقلة البناء، لكن التحدي الأكبر هو قدرتها على استعادة دعم الشعب بعد أن تعلم العصيان، وظن البعض أنه سبيل لتلبية حاجاته، وليس السبيل لاستعادة فاعليته وتأثيره في الحياة.
كذلك يقع الشعب في حيرة، هل يدعم الحكومة الجديدة على الدوام أم يحاسبها؟ وماذا عن أخطائها المتكررة؟!. وهنا يجب أن تتضح العلاقة بين الدعم والمحاسبة وكثافة حضور كل منهما في مراحل بناء النظام الجديد. ففي المرحلة الانتقالية التي تستعيد فيها الدولة عافيتها يكون الهدف الأكبر هو الدعم، إن كان هناك ثقة في حمل الحكومة للرسالة والمشروع الشعبي، وإن كان هناك يقين في أن أخطاءها تعود لأسباب متعلقة بقلة الدعم. هنا تكون مسئولية أي إخفاق مشتركة بين الشعب والحكومة..
أما عند الانتقال إلى الديمقراطية يتغير الأمر، وتكاد تكون كفتا الدعم والمحاسبة متساويتين، أي يجب التركيز على كليهما بنفس الدرجة وقد تكون السمة الطاغية هي المحاسبة على الأخطاء التي تبدو غير مبررة في ظل شعب داعم لحكومته، فما عذر الحكومة؟!
إن واجب المجتمع بين الدعم والمحاسبة يتغير بحسب المرحلة، والحد الذي يُغفر فيه لأخطاء الحكومة يختلف أيضاً من مرحلة لأخرى، ونوعية الأخطاء التي يمكن تجاهلها تختلف من مرحلة لأخرى، فالمجتمع يحدد معايير المحاسبة بحسب المرحلة، ففي البدايات قد يكون ملف الأمن وتأكيد الحريات أولوية كبرى مقارنة بارتفاع الأجور، وفي مرحلة أخرى يكون ارتفاع الأجور هو المطلب الموضوع على المحك!!
تمر النظم بمرحلة تهديد وجود في البدايات ثم استقرار ثم نمو وازدهار، وتتفاوت أولوية الدعم والمحاسبة بحسب المرحلة، فالنظم في مراحل تهديد الوجود تميل فيها الكفة إلى موقف شعبي داعم مع قدر من المحاسبة لا يؤدي إلى تعطيل الأعمال، تماماً مثلما يحدث في الحروب، لأن الناس قد لا تنتبه إلى أن سبب الإخفاق ليس فقط في الإدارة، وإنما في التقاعس عن الدعم أو طبيعة التحديات التي ستواجه أي حكومة في تلك المرحلة، أما عندما يستقر النظام فيجب ارتفاع سهم المحاسبة، لأنه الكفيل بتطوير الأداء، وحينها يرتبط الدعم بنتائج المحاسبة، إن كانت مرضية استمر، وإن كانت مؤسفة تبدأ الضغوط للتصويب أو تغيير الحكومة!! فإن ارتد النظام على أعقابه توقف الدعم تماماً وبدأ العصيان من جديد.

التطبيق العملي
زيادة الوعي لدى المجموعات المقاومة بطبيعة القوة السياسية المتعددة المصادر، واختيارهم أسلوب اللاعنف، باعتباره السبيل لسحب الطاعة، وإنتاج مجتمع قوي خلال الصراع.
إعادة تعريف القوة في وعي الجماهير من خلال الأنشطة التي تؤكد إمكانية الفعل، والوسائل الإعلامية التبسيطية التي ترسخ في الوعي مفهوم القوة الجديد.
تحديد مصادر القوة التي يتغذى عليها النظام، ووضع استراتيجية للتعامل مع كل مصدر.
وضع تصور للتحكم في عمليتي الدعم والعصيان، فكلاهما يتطلب وعياً بمتطلبات المرحلة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: