حسن الجندي يكتب : تحديات ما بعد مبارك

عندما قامت ثورة الخامس و العشرين من يناير لتطيح بنظام مبارك الذى أستمر على مدار ثلاثون عاماً يمارس أساليب القمع و الذل لكل من يعارض هذا النظام ؛ لم تطيح الثورة بنظام مبارك الذى أستمر ثلاثون عاماً ؛ بل أطاحت بنظام كامل فرض سيطرته و ديكتاتوريته على الدول لمدة ستون عاماً ؛ لم يكن يخطر ببال الشباب الذى قام بالثورة أنه سيظهر من جديد من يحاول أنتاج هذا النظام .

إذا نظرنا قليلاً إلى نظام الدولة فى الفترة السابقة منذ أيام حكم الرئيس السابق جمال عبد الناصر ؛ سنجد أن جمال عبد الناصر لم يكن مجرد رئيساً للدولة بل كان مشروع نظام من وجهة نظره كان سيعيد تنظيم الدولة المصرية و طبيعة علاقتها بالمجتمع ؛ و عقب هزيمة 1967 و الأزمات الأقتصادية التى تعرضت لها مصر فى تلك الفترة لم تكن مجرد هزيمة لنظام عبد الناصر بل كانت هزيمة للمشروع الذى يسعى لبنائه عبد الناصر ؛ عندما تولى السادات حكم البلاد حاول أعادة بناء ذلك النظام و حاول الخروج من تلك الأزمات الأقتصادية ؛ و لكن سياسة الأنفتاح الأقتصادى التى قام السادات بتنفيذها و بطريقة غير مدروسة زادت من ضعف مؤسسات الدولة و زادت من أختراقها من قِبل رجال المصالح ؛ عندما تولى الرئيس المخلوع حسنى مبارك حاول فى بداية الأمر أصلاح ذلك الأنفلات الأقتصادى ؛ فقام بوضع أقتصاد الدولة فى أيدى بعض رجال الأعمال أو رجال المصالح الذين أستطاعوا تكوين ثروتهم فى عهد السادات ؛ و لكن فشلت مؤسسات الدولة فى أستيعابها ؛ فزادت الأزمات فى مؤسسات الدولة المختلفة و و أصبحت غير قادرة على تنفيذ القوانين التى تقوم بوضعها ؛ و زاد الأمر سوءاً و تخطى مجال القطاع الأقتصادى و تجاوز قطاعات أخرى مثل الأمن و التعليم و الصحة و التى أصبح يسيطر عليها جميعاً رجال المصالح ؛ و هو ما دفع جلال أمين أن يعبر عنها فى كتابه ” مصر و المصريون فى عهد مبارك ” حينما قال : ” و على أى حال فأن منظر أى جندى شرطة فى شوارع القاهرة اليوم يدلك فوراً على الحالة التى وصلت إليها هيبة الدولة و مكانتها ؛ فتى صغير جائع ؛ يرتدى بدلة الشرطة الواسعة من فرط نحافته ؛ و لا يسمع له صوت و لا يرد له أهانة تصدر إليه من رجل يبدو عليه الثراء ” .

مع رحيل مبارك ؛ إزدات الأوضاع سوءاً و لكن تلك المرة لم تكن مثل أى من الأزمات التى واجهت هذا النظام على مدار ستون عاماً ؛ لأن المصريين الذى خرجوا يطالبوا بأسقاط نظام حسنى مبارك كان الغرض من ذلك هو أسقاط ذلك النظام بالكامل و التخلص منه و ليس التخلص من حسنى مبارك كشخص حاكم للبلاد ؛ و هو ما بدا واضحاً فى الخامس و العشرين من يناير عام 2012 عندما تزايدت الأعداد التى خرجت للمطالبة بأسقاط نظام المجلس العسكرى الذى أثبت بالدليل القاطع أنه يحاول أعادة أنتاج ذلك النظام مرة أخرى ؛ و أصبح التحدى الحقيقى الذى يواجه المصريين ليس فقط فى التخلص من ذلك النظام أو بناء نظام جديد ديمقراطى ؛ و إنما بناء مشروع نظام جديد يعيد تنظيم العلاقة بين الدولة و المجتمع ؛ و بين مؤسسات الدولة و بعضها .

و أصبح لابد من التخلص من أسلوب ذلك النظام الذى توغل فيه رجال المصالح فى كل مؤسسات الدولة لضمان عدم فقدان مصالحهم ؛ و أصبح لابد أعادة هيكلة جميع مؤسسات الدولة حتى تقوم بمهامها الرئيسية التى تتمثل فى خدمة الوطن و المواطن و ليس فى خدمة رجال المصالح ؛ و أصبح لابد من أعادة قانون يقوم بتنظيم العلاقة بين المجتمع و تلك المؤسسات بأسلوب يضمن للمواطن حقه ؛ و فى نفس الوقت يضمن عمل هذه المؤسسات بكفاءة و أستقلالية .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: