بقلم. حمدي قنديل : انتخابات رئاسية فى الظلام

يبدو أن اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية تريد أن تجرى انتخابات الرئاسة فى السر.. بحكم القانون يُسمح للمرشحين بأن يقوموا بالدعاية الانتخابية فى الأسابيع الثلاثة السابقة ليوم الاقتراع فقط.. ولما كان الاقتراع قد حدد له يوم 23 مايو، لذلك فإن الدعاية محظورة حتى 30 أبريل، فإذا قام المرشح بأى نشاط من أنشطة الدعاية قبل هذا التاريخ، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، مرئية أو مسموعة أو مقروءة أو إلكترونية، فإنه يحال إلى النيابة.

القانون الذى فرض هذا القيد هو القانون رقم 174 الذى صدر فى سنة 2005، أيام عهد الاستبداد.. والغرض من مادة الدعاية الانتخابية فيه كان التضييق على المرشحين بحيث لا يعلم الناس عنهم ولا عن برامجهم إلاّ فى أدنى الحدود، وبذلك يضطرون فى النهاية إلى انتخاب «اللى نعرفه أحسن من اللى مانعرفوش»، أى انتخاب الرئيس ذاته أو ابنه الوريث.

تطبيق المادة نفسها فى انتخابات الرئاسة القادمة يعنى أن الانتخابات سوف تجرى على نفس قواعد مبارك، وربما يعنى أيضا أن هناك مرشحا بعينه تريد السلطة دعمه.. تطبيق المادة يعنى حرمان المرشحين من التواصل مع الناخبين، إذ كيف يمكن للمرشح أن يصل إلى 50 مليون ناخب فى 3 أسابيع فقط؟.. وحتى إذا كانت هذه المدة كافية للتواصل مع الناخبين المقيمين فى الوطن، فكيف تكفى للتواصل مع المقيمين فى الخارج؟.. وكيف يجوب المرشح بلدا مساحته مليون كيلو متر مربع ليقدم للشعب برنامجه فى هذه المدة التى لا تكفى للدعاية فى دائرة واحدة من دوائر مجلس الشعب؟

وإذا كان المخرج الوحيد من هذا المأزق هو أن يلجأ المرشح للتواصل مع أكبر قدر من الناخبين إلى الدعاية التليفزيونية باهظة التكلفة، فهل نحن نسلم الرئاسة بذلك إلى أغنى المرشحين؟.. ولماذا نحرم المرشحين الذين قرروا الترشح مؤخرا من الدعاية، وبذلك لا يستطيعون اللحاق بالمرشحين الذين اتخذوا قرارهم مبكرا وبدأوا دعايتهم الانتخابية منذ شهور؟.. وإذا كان هناك الآن راغب فى الترشح لكنه لم يسحب استمارة الترشح الرسمية بعد فكيف يعامل، هل نعامله معاملة المرشح فنمنعه من الدعاية، أم أنه كمواطن عادى يمكنه أن يقول ما يشاء، فى أى محفل يشاء، وبأى وسيلة يشاء؟

هل هناك، إذن، تكافؤ فى الفرص بين المرشحين؟ وإذا كان ممكنا تمييز الدعاية السافرة مدفوعة الأجر، فكيف يمكن تمييز الدعاية المبطنة غير المباشرة؟.. وإذا كان ممكنا تحريم الدعاية فى الراديو والتليفزيون والصحف ولافتات الشوارع، فكيف يمكن إيقاف الدعاية الإلكترونية فى الـ«فيس بوك» وشبكة الإنترنت؟.. وكيف تعاقب اللجنة المخالفين فى حين لا يوجد نص قانونى – أكرر: لا يوجد نص قانونى – يحدد عقوبة لمن يمارس الدعاية الانتخابية فى فترة الحظر؟.. ثم، ما هو السر فى أن البرلمان لم يتدخل حتى الآن لتعديل هذه المادة؟

لغز آخر أضافته لجنة الانتخابات الرئاسية إلى هذه الألغاز، هو الإنذار الذى وجهته لوسائل الإعلام هذا الأسبوع بألا تنشر أى دعاية انتخابية للمرشحين خلال فترة الحظر، بما فى ذلك إجراء الحوارات معهم أو نشر أى موضوعات تتناولهم.. قابل الإعلاميون هذا القرار بالاحتجاج، وقال نقيب الصحفيين إنه «لا يمكن لوسائل الإعلام أن تنأى بنفسها عن قضايا الرأى العام والأحداث المهمة التى تحدد مستقبل البلاد»، وأنها ستواصل القيام بواجبها فى متابعة الأخبار، وأن العمل الإعلامى ليس دعاية انتخابية، وأعلن أن النقابة ستوفر الحماية القانونية والنقابية للصحفيين إذا أحيلوا إلى المحاكم.

تراجعت لجنة الانتخابات الرئاسية أمام الضغط، وأعلن المستشار حاتم بجاتو، أمين اللجنة، أنه لا حظر على الحوارات الصحفية بشرط ألاّ تتضمن دعاية لمرشح أو إساءة إلى آخر، لكن هذا الإيضاح هو ذاته بحاجة إلى إيضاح.. كيف يمكن أن نحدد إذا ما كان الحوار يتضمن دعاية للمرشح أم لا؟.. وهل نمنع بذلك الصحفيين والكتاب من إبداء رأيهم فى المرشحين؟.. وإذا ما نشرت صحيفة حوارا مع مرشح أو خبرا عنه أو تعليقا عليه دون أن تنشر مادة مماثلة عن مرشحين آخرين فهل فى هذا إساءة إلى هؤلاء المرشحين؟

وإذا نشرت صورة لمرشح فى الصفحة الأولى وصورة لآخر فى صفحة داخلية فهل يعتبر هذا تمييزا بينهما؟.. وماذا إذا نشرت حوارا على صفحة كاملة لمرشح وحوارا مختصرا مع آخر؟.. وإذا سئل ضيف فى أحد البرامج التليفزيونية عن رأيه فى مرشح فأشاد به، فهل يعتبر ذلك دعاية؟.. وإذا كال النقد لآخر، هل يعتبر إساءة؟.. وكيف للصحفى الذى يجرى حوارا مع مرشح أن يتفادى تحول الحوار إلى دعاية؟.. هل يتجنب سؤاله عن برنامجه؟.. وعن ماذا يسأله إذن، عن الأكلة المحببة لديه أم عن آخر فيلم شاهده؟.. وبفرض أن كل وسائل الإعلام قد خرقت الحظر، فما الذى تستطيع أن تفعله اللجنة الرئاسية؟.. هل بوسعها أن توقع عليها عقابا جماعيا؟.. وما هو هذا العقاب إن لم تكن هناك عقوبة محددة؟

اللجنة الرئاسية تتخبط، ويبدو أنها لم تدرك حتى الآن أنها محل شكوك عديدة وارتياب متزايد منذ صدر القانون الخاص بانتخابات الرئاسة.. القانون صدر قبل موعد انعقاد مجلس الشعب بثلاثة أيام فقط، الأمر الذى أوحى بأن المجلس العسكرى يريد أن يمرره بالشكل الذى وضعه دون تدخل من البرلمان.. ورئيس لجنة الانتخابات الرئاسية، وهو رئيس المحكمة الدستورية العليا، لم يكن أقدم قاض فى المحكمة حتى يعين رئيسا لها كما تقضى الأعراف، وإنما اختاره مبارك لرئاستها فى 2009 ليشرف على انتـخابات رئاسة مزورة كان مقررا أن يفوز فيها هو أو وريثه.

واللجنة تضم بين أعضائها المستشار عبدالمعز إبراهيم، رئيس محكمة استئناف القاهرة، الذى لوث صورة القضاء لدى الناس بتدخله للإفراج عن المتهمين الأمريكيين فى قضية التمويل الأجنبى.. ثم إن هناك سببا آخر لفقدان الثقة فى اللجنة هو المادة 28 من قانون انتخابات الرئاسة التى تنص على تحصين قرارات اللجنة من الطعن، وهى مادة منقولة من المادة 76 من دستور 71 كان المقصود منها ألا يطعن أحد على نتائج الانتخابات المقررة سلفا فى عهد مبارك. تحصين قرارات اللجنة من الطعن يتنافى مع كونها لجنة إدارية خاضعة للمجلس العسكرى ويناقض مبدأ الحق فى التقاضى، وهو مبدأ أصيل فى الدستور.

قانون انتخابات الرئاسة يتضمن مادة معيبة أخرى هى المادة 33 التى تسمح للناخب بالإدلاء بصوته فى أى لجنة انتخابية خارج محل إقامته، وهو ما يفتح الباب واسعا للتزوير إذا ما شحن أحد المرشحين ناخبيه فى أتوبيسات تنقلهم للتصويت فى لجنة بعد أخرى.

ألا يكفى هذا كله حتى تضيف اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية إلى قائمة فوازيرها فزورة أخرى بإنزال ستار من الصمت لتجرى الانتخابات فى الظلام؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: