ولاء عيد تكتب : الثوار بين جذرية الحل الثورى والهاجس الرومانى

سؤال قد يطرحه البعض، لماذا يصر الكثير من شباب الثورة على البقاء فى الميادين معللين ذلك بعدم تحقق مطالب الثورة بعد، على الرغم من رؤية البعض أن أغلب مطالب الثورة فى طريقها للتحقق، الاجابة ببساطة ستكون هى حتمية جذرية الحل الثورى فى الحالة المصرية، وشبح تكرار سيناريو ثورة رومانيا، ودعونا نتطرق هنا لكلا الموضوعين بقدر من الايضاح.

فالانظمة تدخل فى طور الموت الاكلينيكى حينما تتفاقم المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتفشل جهود الاصلاح سواء لعدم قدرة الاصلاحيين على حل المشاكل أو عدم رغبة الانظمة فى ذلك، أو وصول النظام لمرحلة من الترهل والهرم تجعل من المستحيل استمراره معهما، حينها يكون أمام الشعوب أحد إختيارين، الأول هو أن تصبر على هذا النظام حتى يظهر من داخله مجموعة من الإصلاحيين الجدد الذين يستغلون ضعف النظام ويتولون دفة الأمور ثم يبدأون فى التغيير، أو تقوم باتخاذ الاجراء الأكثر حسما وجذرية وهو الاطاحة بهذا النظام عن طريق الثورة، إذن فمن حق الشعوب أن تثور أو لا تثور على الأنظمة المتداعية، لكن إذا ما قررت الشعوب إختيار الثورة فلا يمكنها التراجع عنها قبل تحقيق كل أهدافها وهو ما ستضح من خلال ذلك المقال.

هنا يظهر الادعاء الأكثر شهرة للثورات المضادة سواء فى مصر أو غيرها، أن الثورة ليست إرادة شعب لأن فئة معينه من هذا الشعب هى التى تختارها وتفرضها على الآخرين، والحقيقة أن الثورة إرادة شعب لثلاث أسباب، أولها أنه عندما تقوم الثورة يؤيدها البعض ويرفضها البعض، وتقف الغالبية موقفا ظاهره الحياد، إن هذا الحياد الظاهرى هو فى حقيقته قرار سلبى بتأييد الثورة عن طريق التخلى عن تأييد النظام برفض الوقوف معه فى وجه الثورة، بمعنى أدق ان عدم تأييدهم للنظام يعنى أنه لم يعد يمثل مصالحهم وليس لديهم مانع من الاطاحه به، الأمر الثانى هو أن الأصل فى الأمور العدل، ومعنى وصول فئة معينة من فئات الشعب لحد الثورة من جراء الظلم الواقع عليها أو تضامنا مع فئات أخرى مظلومة يعنى أن الظلم وصل إلى درجة تهدد أمن وسلامة المجتمع، وأن هذه الفئة وجدت فى نفسها القدرة على رفع الظلم مما يعيد الأمور لنصابها حتى يستمر المجتمع فى الحياة وتستقرأوضاعه، واستمرار الحياة واستقرار أوضاع المجتمع هى رغبة غريزية لدى كل أفراده، وأخيرا فإن تبعات الثورات من شهداء وجرحى وإنفلات أمنى و إنهيار اقتصادى وغيرها، يتحملها أبناء الشعب كلهم سواء كانوا من الفئة الثائرة أو غيرها، إذن فالثورة بأى من المفاهيم السابقة هى إرادة شعب، وحتى إن بدأت بفئة معينه ففى النهاية تتحول إلى ثورة شعب، وسواء اختار هذا الشعب الثورة بشكل واع أو غير واع فتراجعه عن ثورته يعنى الانتحار.
فالثورة تعنى ضمنا فشل الحل الاصلاحى، وهو ما يستوجب معه إلقاء فكرة إصلاح النظام جانبا والشروع فورا فى بناء نظام جديد يلبى طموحات وأحلام الشعوب، وما يستتبع ذلك من إبعاد رجال النظام القديم من السلطة، وإعادة تقييم كافة مؤسسات الدولة، وما يستوجبه الأمر من تفكيك بعضها أو إعادة هيكلته أو إلغاءه أو تقليص دوره أو تعظيمه أو تطهيره أو انشاء أخرى جديدة، واتخاذ اجراءات تغير من البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد، إن عدم إتخاذ تدابير من هذا النوع خاصة بعد نجاح الثورة فى الاطاحة برأس النظام ورموزه الاساسيين تعنى أمرين فى غاية الخطورة، أولهما الابقاء على جزء من النظام القديم داخل المنظومة الجديدة بعد أن أصبح أكثر تحصنا من الثورة وأقدر على مقاومتها، واضعا صوب عينيه مصير المطاح بهم، ومنتظرا الفرصة المناسبة للأنقضاض على الثورة، والتى غالبا ما تكون مع تلقيها أول ضربة من الداخل أو الخارج، وهو أمر متوقع مع أى أمة تحاول النهوض وتقرر الخروج من التبعية، والثانى هو أن ذلك سيعنى بقاء أسباب الثورة كامنة تحت الرماد حتى تنفجر فى ثورة جديدة خلال وقت قصير أو تفجر الجريمة والعنف والارهاب، وهو ما يعنى أن ذلك المجتمع لن يكون أمامه متسع من الوقت للنهضة، اذن فاتخاذ الثورة إجراءات التغيير الشامل هو أمر لا مفر منه، وبمعنى أدق إن جذرية الحل الثورى هو أمر حتمى.

إذا ما حاولنا تطبيق ما سبق على الحالة المصرية لمعرفة إذا ما كان سيؤدى بنا الحال إلى مرحلة التغيير الجذرى أم لا سنكتشف أننا يمكننا تقسيم القوى السياسية فى مصر إلى ثلاثة أنواع، قوى رجعية إما تهدف للابقاء على النظام القديم كما هو مع بعض الرتوش، أو تعمل على استدعاء أشكال أخرى لأنظمة رجعية أو إنغلاقية، وقوى إصلاحية بعضها شارك فى الثورة تؤمن باجراء اصلاحات على النظام كبرت أو صغرت لكنها لا ترقى للحل الجذرى، وقوى ثورية بمعنى أنها تتمسك بجذرية الحل الثورى، وما حدث بالضبط أن رأس النظام عندما سقط إنتقلت السلطة إلى احدى القوى الرجعية متمثلة فى المجلس العسكرى، الذى قام بالتحالف مع القوى الرجعية الأخرى فى المجتمع من بقايا النظام السابق وأصحاب المصالح وبعض القوى الدينية، وأصبح هذا التحالف فى مواجهة القوى الاصلاحية متمتثلة أساسا فى جماعة الاخوان المسلمين وبعض الأحزاب القديمة كالوفد والتجمع وبعض الاحزاب الناشئة كالاحزاب الجديدة فى الكتلة المصرية، وحدث شبه اتفاق ضمنى بين الاصلاحيين والرجعيين على ابعاد القوى الثورية عن العملية السياسية بعد استيعاب القليل منهم داخل الجبهات الاصلاحية، وقد ظهر ذلك جليا فى حملات التشويه الاعلامى المستمره، وتحميل القوى الثورية رغم انها لا تحكم مسئولية التدهور الاقتصادى والانفلات الأمنى، وجرها لمعارك تنهك قواها نتيجة لتمسكها بالمبادئ الثورية، مثل معركة الدستور أولا، وإعتصام 8يوليو، وأحداث ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء وغيرها.

وقد أدى ما سبق إلى المشهد الراهن، قوى رجعية تملك أدوات السلطة وجزء من الشارع ومقاعد البرلمان، وقوى إصلاحية تملك أغلب الشارع ومقاعد البرلمان، وقوى ثورية منهكة، تستشعر الخطر القادم ولكن الشارع مبتعد عنها بعد أن أوهمه البعض أنها تقف حائل ضد الاستقرار، والمفترض بعد ذلك أن تجلس القوى الرجعية مع الاصلاحية ليتفقوا على شكل النظام الجديد بعد أن يضع كل طرف الشروط التى تحمى مصالحه وتوجهاته بصرف النظر عن إن كانت تصب فى صالح الشعب أم لا، وهو ما سيؤدى لخلق نظام مشوه أبعد ما يكون عن تحقيق الحلول الجذرية، وسينتج عنه حتما عودة النظام السابق عاجلا أم آجلا لكن بمسميات أخرى، مما يعنى فشل الثورة، إذا فليس أمام القوى الثورية سوى البقاء فى الميادين حتى يتم تنحية القوى الرجعية عن المشهد السياسى أو على الأقل تحييدها، مما سيجعل كفتا الميزان بين الاصلاحيين والثوريين، وهو ما سيؤدى إلى ميلاد نظام ربما لا يتسم بالجذرية الكاملة ولكنه سيكون أكثر ميلا لها، مما سيتيح الفرصة مستقبلا لظهور نظام جديد يحقق التغيير الشامل، خاصة لو وضعنا صوب أعيننا أن الحركات الاصلاحية تحوى بداخلها ثوريين واصلاحيين متأرجحين بين الاصلاح والثورية، مما سيعنى أن دفعها فى الاتجاه الثورى أمرا ممكنا حال تحالفها مع القوى الثورية.

نأتى للسبب الثانى الذى يثير مخاوف شباب الثورة وهو الهاجس الرومانى، فمن المعروف أن الثورة الرومانية انتهت بانحياز أحد أجنحة النظام للثورة واطاحته بالرئيس وزوجته واعدامهما، بعدها قام هذا الجناح باحداث حالة من الانفلات الامنى والتدهور الاقتصادى كبيرة، وتشويه اعلامى ضخم للثوار، وعندما شعر الثوار أن ثورتهم تسرق، قرروا التجمع من جديد فقام هذا الجناح باتهامهم بالخيانة ثم ألب عليهم الجماهير التى قام بعضها بالاشتراك مع النظام فى تصفيتهم جسديا، وهو ما أدى فى نهاية المطاف لعودة النظام القديم وتحول الثورة الى كارثة محققه فى رومانيا ووصول الاوضاع لدرجة أسوأ مما كانت عليه قبل الثورة، وبالطبع يرى الكثير من شباب الثورة أننا نسير فى نفس الاتجاه خاصة مع تصاعد حملات التشويه الاعلامى واستمرار الانفلات الأمنى والتدهور الاقتصادى، وحدوث بروفات مماثلة للثورة الرومانية فى أحداث العباسية وماسبيرو، خاصة وأن انتخابات مجلس الشعب الأخيرة أكدت قدرة الدولة على السيطرة على الانفلات الأمنى متى رغبت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: