Archive | 18 يناير 2012

حسن الجندي يكتب : بـلـــطـجــى

يخرج فى الصباح الباكر بكل نشاط و حيوية ؛ يبحث عن رزقه مثلما يبحث الطير عن غذائه ؛ و يظل هكذا طوال يومه ؛ ثم يعود فى المساء إلى المكان الذى خرج منه أو ربما مكاناً آخر يشابهه ؛ يتشابه مع الطير فى طريقة بحثه عن الغذاء ؛ و يختلف معه فى المأوى الذى يعود كلاً منهما إليه ؛ حيث يعود الطير إلى عشه ؛ بينما يعود هو إلى مكان ربما لا يعلمه هو نفسه .
يوجد مثله الكثير و الكثير فى مصر ؛ يندفعون خلف المارة فى الطريق من أجل الحصول على قليل من الجنيهات تكفيه لأن يقضى بها يومه ؛ ثم يعود مرة أخرى إلى أقرب رصيف و يأخذ لنفسه مكان ؛ و ينطوى مثل المولود فى رحم أمه فى محاولة منه لأن يمد نفسه بالدفء فى شتاء شديد البرودة .
لم يكن له أى دور قبل قيام الثورة ؛ كان يطلق عليه طفل من أطفال الشوارع ؛ لم أرى أى قناة تلفزيونية تتحدث عنه ؛ لم نرى صورته فى يوم من الأيام فى الجرائد الرسمية ؛ لم يكن أحداً يعطى له أى أهتمام ؛ و كأنه ليس جزء من هذا المجتمع ؛ ليس من حقه أن يحصل على حياة كريمة كمواطن مصرى يعيش على أرض ذلك الوطن ؛ لم يتم تسليط الضوء فى يوم من الأيام على مشكلته ؛ لم أرى أحد يتحدث عنه لأنه ليس له صفة .
أختلف الوضع كثيراً بعد الثورة ؛ و دائماً ما نراه فى قلب الأحداث ؛ ضحاكاته و همزاته تعبر عن حب صادق ينبع من قلبه ؛ أحساسه أنه جزء من ذلك المجتمع له الحق فى أن يحتج و يطالب بحقوقه شعور جعله يلقى بنفسه فى الصفوف الأمامية من المواجهات .
أخيراً و بعد طول أنتظار وجد نفسه و لكن فى خياله فقط ؛ فالأعلام أصبح يتحدث عنه يومياً ؛ و صوره تتصدر الصفحة الأولى من الجرائد المصرية .

الآن أصبح جزء من المجتمع المصرى و وجد لنفسه صفة ” بلـــطجى “

عمر طاهر يكتب : يا واد يا تقيل

أؤمن تماما أن الأهم من استعادة الغطاء النقدى للبلد هو استعادة الغطاء النفسى لها، بعد أن أسهم قادة البلد بنسبة ليست هينة فى تحويل البلد إلى كيان ثقيل الدم.

البلد المستوحى أصلا من عروض الـ«استاند أب كوميدى» أصبح محفوفا بأجواء «المساخة».

ثقل الدم الذى نعيشه للقادة النصيب الأكبر فيه، فقد كان المجلس أول من زرع فكرة الانقسام بملحقاتها من تحفز وعصبية وردح أحيانا بأن اخترع الاستفتاء، بلد كان كتلة واحدة مرحة ترفع الإفيهات فى الميادين انكسرت شوكة تكتله مع الاستفتاء.. ويا ريته كان بنتيجة.

وظل المجلس يقدم كل فترة اختراعا يزيدنا انقساما، الانتخابات والدستور، الوثيقة، المجلس الاستشارى، المادة الثانية تصريحاته غير الموضوعية عن ضحاياه فى أكثر من موقعة، تقسيم المواطنين إلى شرفاء ومموَّلين، تحرير وروكسى ثم تحرير وعباسية، لم يبذل يوما مجهودا فى لم الشمل «وهو كان قادرا على ذلك بجميع الأدوات التى يمتلكها والتى أسهمت هى نفسها فى الفرقة»، فتفرق أصدقاء وجيران وزملاء فى العمل وصار الحديث اليومى ينطوى على تحفز ما، نقطة من الامتعاض ظلت تكبر فتحولت إلى كراهية فى موضع وإلى تخوين فى مواضع أخرى.

ثقل الدم المستتر الذى أسهم فى ميلاده ونشأته قادة البلاد، كان ينمو برائحة الموتى والضحكة المجروحة للمصابين وعلامات النصر التى يرفعها فى وجه عدسة الكاميرا أناس لم يعودوا قادرين على رؤية الكاميرا نفسها، بفجيعة أمهات الشهداء وهن يرين القتلة مطلوقى السراح، بقدرتهم على تحويل أوضح ما فى الثورة «الشهداء والجرحى» فى عيون الكثيرين إلى متسولين وقطاع طرق.. بدلا من الاحتفاء بهم واعتبارهم رجال هذا البلد بعد زمن كان رجالة البلد هم لاعبى المنتخب فقط، بدلا من ذلك يشكك المسؤولون فى الشهداء ويفتشون عن شهادات حالتهم الجنائية والفيش الذى يثبت أن منهم عاطلين وأرباب سوابق.

زرعتو فى البلد ثقل دم مستتر لدرجة أنكم غيرتو طبيعة بعض ناسنا الطيبين وجعلتوهم يتحدون فطرتهم التى يضرب بها العالم المثل فى الآدمية، وجعلتوهم يرددون كلاما يسىء إليهم قبل أن يسىء لأى شخص آخر، مثل الكلام عن العباية أم كباسين، وهوّ إيه اللى ودّا الشهدا هناك، وهوّ مين كان قالهم يستشهدوا علشاننا، وهوّ كان حد اشتكى لهم، كل هذه الكلمات التى سيذكرها التاريخ كاستثناء خرافى فى التاريخ النفسى للمصريين وسيبحثها كدليل على أن الأمور ساءت فى مصر لدرجة غيرت الطبيعة.

عن طريق التضليل الإعلامى الذى يضخم ما يريد وينفى صحة ما يكره ويزرع فى الوجدان ما يخدم أهدافه فقط، علمتم الناس أن يكذبوا أعينهم، بل إنكم وصلتو بهم لمرحلة من الارتباك تجعلهم يرددون أن البنى آدم يتعوض بس الكتب اللى اتحرقت فى المجمع ماتتعوضش.

حتى محاولاتكم لتجميل الصورة مغرقة فى ثقل الدم، بداية من صارى العلم الذى نصبتوه فى قلب الجزيرة، وهى محاولة تذكرنى بمحاولات فريد الأطرش للتقبيل فى أفلامه، حتى فكرة إلقاء الكوبونات من الطائرات فى 25 يناير القادم فكرة لا تليق أبدا بما فى حدث الثورة من وقار وحماس، ولكن تليق بقائد ينظر لشعبه الذى وضعه فى هذه المكانة التى لم يكن يحلم بها.. نظرة دونية مهينة، بدلا من حث الناس على أن يرفعوا رؤوسهم بفخر يحثونهم على تنكيسها بحثا عن الهدايا المجانية، «بالمناسبة صديقى محمد عثمان بيسلم عليكم وبيقول لكم عايز كوبون تبقى هديته دبدوب صغير على شكل المهندس خالد عبد الله، كل ما يدوس على بطنه يسقف ويقول يا واد يا مؤمن».

طبعا أنا لا أقول إن الشعب سكر ولكنه كان قد بدأ يتغير مع أحداث الثورة، وكان فى طريقه لأن يأخذ خطوة أفضل لتحسين نفسه وكان مؤهلا لاستقبال أى توجيه يساعده على الارتقاء، ولكن أولى الأمر لم يستغلوا هذه الفرصة وأسهموا بارتباكهم فى أن يضيع هذا الاستعداد فحدثت بعده الانتكاسة.

أنتم أناس تحبون الوطن على طريقتكم ولا نخوِّن أحدا، ولكن طريقتكم فى المحبة صالحة جدا داخل المعسكرات المغلقة وعلى الحدود وفى أرض المعركة، هناك تتجلى مهاراتكم المؤكدة بنصوص دينية وحكايات تاريخية، لكن هنا حيث نعيش نحن المدنيين فى قلب بعض أشعلت طريقتكم فى أجوائنا ثقل الدم، نحن الذين كنا نرى فى مشوار المترو مناسبة للكوميديا مع خلفية من أصوات ضحك الجمهور كما هو الحال فى حلقات السيت كوم، أصبح مشوار المترو حاليا مناسبة للتجافى واتقاء شر فتح موضوعات قد تقود إلى مشاجرة، أقل خسائرها أن تنزل فى محطة مش بتاعتك.

أسهمتم فى زرع ثقل الدم فى أجواء البلد لدرجة بددت دفء أرواح قاطنيه.. وهذه ليست مبالغة، أمّال حضرتك فاكر البرد الأسطورى الذى نعيشه هذه الأيام سببه إيه؟

محمد حسنين هيكل : كل الأسباب كانت سياسية .. وليس فيها سبب عسكرى واحد!! (الحلقة الثانية)

بدأت متابعتى للرئيس «حسنى مبارك» ــ من بعيد بالمسافة، من قريب بالاهتمام ــ عندما ظهر على الساحة العامة لأول مرة قائدا لسلاح الطيران المصرى فى الظروف الصعبة التى تعاقبت بعد أحداث يونيو سنة 1967، ولم يخطر ببالى وقتها ــ لحظة واحدة ــ أن هذا الرجل سوف يحكم مصر ثلاثين سنة، ويفكر فى توريث حكمها بعده لابنه.

 

وعندما أصبح «مبارك» رئيسا بعد اغتيال الرئيس «أنور السادات» فى أكتوبر 1981، فقد رحت حتى ونحن لانزال بعد فى سجن «طرة» (ضمن اعتقالات سبتمبر الشهيرة سنة 1981)، اذكِّر نفسى وغيرى بالمثل الفرنسى الشائع، الذى استخدمه الكاتب الفرنسى الشهير «أندريه موروا» عنوانا لإحدى رواياته، وهو أن «غير المتوقع يحدث دائما!!».

 

●●●

 

وللأمانة فقد سمعت الفريق «محمد فوزى» (وزير الدفاع) يقدم لـ«مبارك» عند «جمال عبدالناصر» عندما رشحه له رئيسا للأركان فى سلاح الطيران أثناء حرب الاستنزاف، وكانت شهادة الفريق «محمد فوزى» تزكيه لما رُشح له، ثم كان أن أصبح الرجل بعد أن اختاره الرئيس «السادات» قائدا للسلاح ــ موضع اهتمام عام وواسع، لأن سلاح الطيران وقتها كان يجتاز عملية إعادة تنظيم مرهقة، وكانت هذه العملية تجرى بالتوافق مع قيام السلاح بدوره فى حرب الاستنزاف، وخلالها ــ تعاقب على قيادة الطيران خمسة من القادة هم: «صدقى محمود» و«مدكور أبوالعز»، و«مصطفى الحناوى»، و«على بغدادى»، ولم يستطع أيا من هؤلاء القادة إكمال مدته الطبيعية، وبالتالى فإن مجىء كل واحد منهم إلى قيادة الطيران كان حالة فوران لا يهدأ وسط أجواء مشحونة داخل واحد من أهم الأسلحة، فى لحظة من أشد اللحظات احتياجا إلى فعله!!

 

●●●

 

وكان أول ما التقيت بـ«مبارك» ــ لقاء مصادفات عابرة، فقد كنت على موعد مع وزير الحربية وهو وقتها الفريق «محمد أحمد صادق» ــ وعندما دخلت مكتبه مارا بغرفة ياوره ــ كان بعض القادة فى انتظار لقاء «الوزير»، وكان بينهم «مبارك»، وأتذكره جالسا وفى يده حقيبة أوراق لم يتركها من يده، حين قام وسلم وقدَّم نفسه، وبالطبع فإننى صافحته باحترام، قائلا له فى عبارة مجاملة مما يرد على أول لقاء: «إن دوره من أهم الأدوار فى المرحلة المقبلة، و«البلد كله» ينتظر أداءه» ــ ورد هو: «إن شاء الله نكون عند حُسن ظن الجميع»، ودُعيت إلى مكتب الفريق «صادق»، ودخلت، وكانت مصادفة لقائى بـ«مبارك» ــ قبلها بثوانٍ ــ حاضرة فى ذهنى بالضرورة مع زيادة الاهتمام بالطيران وقائده، وبدأت فسألت الفريق «صادق» عن «مبارك» وهل يقدر؟!، وكان رده «أنه الضابط الأكثر استعدادا فى سلاح الطيران الآن بعد كل ما توالى على قيادة السلاح من تقلبات»، ولا أعرف لماذا أبديت بعض التساؤلات التى خطرت لى من متابعتى لـ«مبارك»، منذ ظهر على الساحة العامة، وكان مؤدى ما قلته يتصل بسؤال من فوق السطح (كما يقولون): كيف بقى الرجل قرب القمة فى السلاح خلال كل الصراعات والمتغيرات التى لحقت بقيادة سلاحه ــ وكيف استطاع أن يظل محتفظا بموقعه مع أربعة من القادة قبله، وكل واحد منهم أجرى من التغييرات والتنقلات ما أجرى؟!!

 

زدت على هذه الملاحظة إضافة قلت فيها: أننى سمعت «حكايات» عن دوره فى حوادث جزيرة «آبا» قبل سنتين (وهى تمرد المهدية على نظام الرئيس السودانى «جعفر نميرى»، ونشوب صراع مسلح بين الفريقين سنة 1970)، وطبقا لـ«الحكايات» ومعها بعض الإشارات ــ فإن «مبارك» ذهب إلى السودان فى صحبة نائب الرئيس «أنور السادات»، لبحث ما يمكن أن تقوم به مصر لتهدئة موقف متفجر جنوب وادى النيل، ولتعزيز موقف «جعفر نميرى» فى تلك الظروف العربية الحرجة، وكانت أول توصية من بعثة «أنور السادات» وقتها هى الاستجابة لطلب الرئيس السودانى، بأن تقوم الطائرات المصرية المتمركزة أيامها فى السودان بضرب مواقع المهدية فى جزيرة «آبا» لمنع خروج قواتها إلى مجرى النيل، والوصول إلى العاصمة «المثلثة»، ودارت مناقشات فى القاهرة لدراسة توصية بعثة «السادات» فى «الخرطوم»، وكان القرار بعد بحث معمق ألا تشترك أية طائرات مصرية فى ضرب أى موقع، و«أنه لا يمكن لسلاح مصرى أن يسفك دما سودانيا مهما كانت الظروف».

 

ثم حدث بعدها بأيام أن اغتيل زعيم المهدية السيد «الهادى المهدى». وراجت حكايات عن شحنة متفجرة وُضعت داخل سلة من ثمار المانجو وصلت إليه، وقيل ــ ضمن ما قيل عن عملية الاغتيال ــ أن اللواء «حسنى مبارك» (وهو الرجل الثانى فى بعثة «الخرطوم» مع «السادات») ــ لم يكن بعيدا عن خباياها، بل إن بعض وسائل الإعلام السودانية وقتها ــ وبعدها حين أصبح «مبارك» رئيسا ــ اتهمته مباشرة بأنه كان اليد الخفية التى دبرت لقتل الإمام «الهادى المهدى».

 

وأشرت إلى ذلك كله بسرعة من اهتمام بالطيران وقتها وأحواله، وكان رد الفريق «صادق»: أنه سمع مثلما سمعت، لكنه لا يعرف أكثر. وأضاف «صادق»: «إذا كان «مبارك» قد دخل فى هذا الموضوع، فلابد أن الإلحاح والتدبير الأصلى كان من جانب «نميرى»، ثم إنه لابد أن «أنور السادات» كان يعلم» ــ ثم أضاف «صادق»: «بأن أول مزايا «مبارك» أنه مطيع لرؤسائه، ينفذ ما يطلبون، ولا يعترض على أمر لهم»، وانتقل الحديث بيننا إلى موضوع ما جئت من أجله لزيارته.

 

●●●

 

وكانت المرة الثانية التى قابلت فيها «مبارك» فى تلك الفترة أثناء معارك أكتوبر 1973 ــ وكانت هى الأخرى لقاء مصادفات عابر، فقد ذهبت إلى المركز رقم 10 (وهو مركز القيادة العامة للمعركة)، وكنت هناك على موعد مع القائد العام الفريق «أحمد إسماعيل»، وكنا فى اليوم الخامس للحرب (12 أكتوبر)، وكان اللواء «مبارك» (قائد سلاح الطيران) هناك، وأقبل نحوى بخطى حثيثة، وعلى ملامحه اهتمام لافت، يسألنى:

 

«كيف عرف الأهرام بتفاصيل المعركة التى جرت فوق قاعدة «المنصورة» ــ وكان هو موجودا فى القاعدة، وقابل طيارا إسرائيليا أسقطت طائرته، وجىء بالطيار الأسير لمقابلة قائد الطيران المصرى، ودار بينهما حوار، قال فيه «مبارك» للطيار الأسير: إنه تابع سربه أثناء الاشتباك، ولاحظ أخطاء وقع فيها، وسأله ماذا جرى لكم؟! ــ كنا نتصور الطيارين الإسرائيليين أكفأ، فهل تغيرتم؟!! ــ ورد الطيار الإسرائيلى قائلا: «لم نتغير يا سيدى، ولكن أنتم تغيرتم».

 

وسألنى «مبارك» ــ وهو يمشى معى فى الممر المؤدى إلى مكتب الفريق «أحمد إسماعيل»، بإلحاح:

 

«كيف عرفنا بهذه الحكاية؟! ــ مع أن المعركة جرت فى المساء أمس الأول، وهو نقل تفاصيلها على التليفون للرئيس «السادات» أمس، ثم قرأها كاملة فى «الأهرام»، وهو لم يحك إلا للرئيس وحده، فكيف «عرفنا» إذن؟!! ــ وقلت: «سيادة اللواء، أليست المسألة واضحة؟ ــ عرفنا من الرئيس نفسه»، ورد هو ودرجة الدهشة عنده تزيد:

 

ــ من الرئيس نفسه؟ كما نقلتها له بالحرف؟! ــ ثم أبدى ملاحظة قال فيها: «ياه.. ده أنتم ناس جامدين قوى!!».

 

وكنا قد وصلنا إلى مكتب «أحمد إسماعيل»، الذى ترك قاعة إدارة العمليات، وجاء إلى مكتبه قريبا منها يلقانى، ودخلنا إلى المكتب، وتركنا قائد الطيران ولا يزال يبدى دهشته من سرعة الاتصالات بين الرئيس وبين «الأهرام»!!

 

وربما كان علىَّ أن أستغرب أكثر منه من هذا الاتصال المباشر بين قائد الطيران وبين رئيس الجمهورية عن غير طريق القائد العام، لكنى وقتها لم أستغرب، فقد تصورتها لهفة الرئيس على الاتصال المباشر بقواده دون مراعاة لتسلسل القيادة!!

 

●●●

 

ومرت على هذه الأحاديث عدة سنوات، وقع فيها ما وقع وضمنه ذلك الصدام العنيف فى مايو 1971 ــ بين الرئيس «السادات» وبين ما سُمى وقتها بـ«مراكز القوى»، وفى أعقاب ذلك الصراع حدث إن الرئيس «السادات» ترك لى مجموعة أوراق كانت فى مكتب السيد «سامى شرف» (مدير مكتب الرئيس للمعلومات)، وكان الدكتور «أشرف مروان» الرجل الذى خلف «سامى شرف» فى مكتب المعلومات قد حملها إليه، وقال لى الرئيس «السادات» يومها وهو يشير إلى حقيبة أوراق أمامه «خذها ــ أنت تحب «الورق القديم»، وعندك الصبر لتقرأه، أما أنا فلا صبر عندى عليه!!».

 

سامي شرف مدير مكتب الرئيس جمال عبد الناصر للمعلومات

 

وبالفعل أخذت الحقيبة ــ لكنى لم أفحص محتوياتها إلا بعد أن تركت «الأهرام»، وتوافرت لى الفرصة كى أبحث وأراجع، خصوصا وقد بدأت فى إعداد كتاب جديد أقدمه للنشر الدولى فى «لندن» و«نيويورك»، وهو «الطريق إلى رمضان» The Road to Ramadan، ومع الغوص فى الأوراق ــ كانت الآثار الغارقة هناك!!

 

كان السيد «سامى شرف» (سكرتير الرئيس للمعلومات، ثم وزير الدولة لشئون رئاسة الجمهورية مع «عبدالناصر» ثم مع «السادات») قد جرى فى أسلوب عمله على أن يسجل بخط يده ما يسمع على التليفون، من أى مسئول فى الدولة، حتى لا يضيع من تفاصيله شىء عندما يعرضه على الرئيس، إذا كان فيه ما يتطلب العرض، وفى بعض المرات فإن «سامى شرف» كان يبعث بأصول ما كتبه بخط يده فى لحظته ــ لأهمية ما فيه ــ إلى الرئيس، ثم تعود إليه تلك الأصول وعليها تأشيرة برأى، أو إشارة برفض أو قبول، وأحيانا بعلامة استفهام أو تعجب.

 

وداخل أحد الملفات المكدسة فى حقيبة السيد «سامى شرف» وجدت مذكرة مكتوبة بتاريخ أول أبريل سنة 1970 بخطه.

 

وكانت المذكرة تسجيلا للنقط المهمة فى محادثة تليفونية أجراها السيد «أنور السادات» (نائب الرئيس الجديد منذ ديسمبر 1969) مع «سامى شرف» (سكرتير الرئيس للمعلومات)، والمكالمة من العاصمة السودانية حيث كان، ومعه رئيس أركان حرب الطيران اللواء «حسنى مبارك» لمساعدة الرئيس السودانى «جعفر النميرى» على مواجهة ذلك التمرد على سلطته بقيادة الإمام «الهادى المهدى» (زعيم الأنصار) ــ والذى كان متحصنا فى جزيرة «آبا»، يهدد بالخروج منها والزحف على مجرى النيل إلى الخرطوم.

 

وكان الرئيس «نميرى» قد طلب ضرب مواقع «المهدى» فى جزيرة «آبا» بالطيران المصرى، وعندما رُفض طلبه فى القاهرة، لجأ الرئيس السودانى إلى السوفييت، وبالفعل فإن بعض خبرائهم قادوا ثلاث طائرات «ميج 17»، وحلَّقوا بها فوق جزيرة «آبا» فى مظاهرة تخويف حققت الهدف دون قصف، فقد شعر «المهدى» بقلق أنصاره فى الجزيرة، ومن أن يكون ظهور الطيران عملية استكشاف يعقبها سقوط القنابل، وهرول للخروج من «آبا» متجها إلى «كسلا» فى الشرق (وفى الغالب بقصد الوصول إلى أثيوبيا) ــ ثم حدث أن المخابرات السودانية استطاعت تحديد موقع «المهدى»، وهنا جرت محاولة اغتياله بسلة ملغومة وسط «هدية» من ثمار المانجو أُرسلت إليه ــ وفى تلك الظروف ثارت شكوك بأن «حسنى مبارك» كان اليد الخفية التى دبرت إرسال الهدية الملغومة، وظهرت أصداء لهذه الشكوك فى الصحف الموالية لـ«المهدى» فى «الخرطوم»!، وتلقى الوفد المصرى ــ وفيه «السادات» و«مبارك» ــ أمرا من القاهرة بمغادرة «الخرطوم»، والعودة فورا إلى القاهرة.

 

وبالنسبة لى فقد تابعت بعثة «الخرطوم» ومهمتها، وأبديت رأيى برفض طلب «نميرى» أن يشترك الطيران المصرى فى ضرب جزيرة «آبا»، وكان إبدائى لرأيى رسميا، ثم ضاع الموضوع من شواغلى وسط الزحام، لأننى وقتها كنت متحملا بمنصب وزير الإعلام ــ إلى جانب تكليفى بوزارة الخارجية ــ وبمسئولية مباشرة عن التغطية السياسية والدبلوماسية والإعلامية لعملية كانت خطيرة وحيوية فى ذلك الوقت، وهى تحريك حائط الصواريخ المشهور إلى الجبهة، بكل ما يتطلبه وما يستدعيه ذلك من جهد، سواء فى المراكز الدبلوماسية للسياسة الدولية، أو فى دوائر الإعلام الواسع وبالذات مع وزارة الخارجية الأمريكية، ووزيرها فى ذلك الوقت «ويليام روجرز» (وكنت أعرفه من قبل لأنه كان عضوا فى مجلس إدارة جريدة «الواشنطن بوست») والآن فإنه المسئول الأول عن مبادرة تحمل اسمه (مبادرة «روجرز») لوقف إطلاق النار تسعين يوما (تتيح فرصة للسفير «جونار يارنج» ممثل الأمين العام للأمم المتحدة كى يتوصل إلى حل على أساس قرار مجلس الأمن 242).

 

وعندما سمحت لى الظروف فيما بعد أن أتفرغ للكتابة وللنشر، وتوفرت على دراسة ملفاتى وما تحتويه ــ إذا بى وجها لوجه أمام السر كاملا كما أسلفت!!

 

●●●

 

ووسط ملفات مكدسة بالأوراق ظهرت أمامى تلك المذكرة بخط يد السيد «سامى شرف» كما سجلها أثناء مكالمة بينه وبين نائب الرئيس «أنور السادات» فى «الخرطوم».

 

مذكرة بخط سامي شرف

 

وسياق المذكرة واضح يبين أن «أنور السادات» يحكى على التليفون، و«سامى شرف» يلاحق ما يسمع ويسجله مكتوبا، وإن على عجل!!

 

والمذكرة على ورقة رسمية لسكرتارية المعلومات فى رئاسة الجمهورية بتاريخ 1 أبريل 1970.

 

ونصها الحرفى كما يلى:

 

رئاسة الجمهورية العربية المتحدة

 

سكرتارية الرئيس للمعلومات

 

1/4/1970

 

«خالد عباس» (1) ( ــ كانوا بيفكروا يعملوها إصلاح زراعى).

 

و«النميرى» كان بيفكر أنه يعملها سجن.

 

ــ موقف الرئيس معاهم رفع معنوياتهم جدا.

 

ــ «نميرى» و«خالد» عايزين اجتماع سريع لرؤساء أ.ح (أركان حرب) الثلاثة لوضع خطة كاملة للتأمين، وتنفذ تلقائيا.

ــ فيه 3 ملايين أنصارى فى «السودان».

 

ــ «الخرطوم» الناس كلها كانت ماسكة العصايا من النصف، ما حدش وقف على رجليه إلا بعد مكالمة الرئيس، طلع «النميرى» حكى لهم المكالمة، فطلع الحزب الشيوعى اللى كان برضه ماسك العصايا من الوسط قبل المكالمة.

 

ــ «مبارك» يحط تقرير عن سبت القنابل اللى بعتناه ــ سبب نجاح العملية ــ نتائجه قوية جدا (2).

 

ــ الجيش أغلبه عساكر أنصار.

 

ــ الإمام طلع من يومين بالعربيات على البحر الأحمر، وإحنا قاعدين عند «نميرى» جاء له خبر أن ضابط مسك الإمام (جريحا) فى عربية.

 

ــ قال بنفكر (أنكم فى) مصر تاخدوه عندكم، قلت له عندى تفويض من الرئيس اللى إنت عايزه أعمله لك كله، إنما ما يخلص وبلاش وجع قلب.

 

قام كلم «خالد حسن» وقال له خلصوا عليه وخلصت العملية».

 

●●●

 

وكذلك بان السر أمامى كاملا كما أملاه «أنور السادات» بالتليفون على «سامى شرف»، لكن كل سر فى العادة له ذيول ــ فقد حدث بعد انتهاء معارك أكتوبر وحتى خلال أيامها الأخيرة أن أسبابا للخلاف شابت العلاقات بين الرئيس السادات وبينى»، وتركت «الأهرام»، وانقطعت لشهور صلاتى به، وعلى أى حال فقد كان هو مشغولا بعلاقته المستجدة مع «هنرى كيسنجر»، وكنت من جانبى مشغولا بالتحضير لكتاب جديد عن «العلاقات العربية ــ السوڤيتية» بعنوان “The Sphinx & The Commissar”، وناشره وقتها مؤسسة «أندريه دويتش» فى لندن ونيويورك، والحد الأقصى المسموح لى به حتى أقدم النص لا يزيد على تسعة شهور، وكذلك توقفت كل صلات بيننا، حتى جاء يوم 8 أكتوبر 1974، وإذا بالرئيس «السادات» يطلبنى بنفسه ويدعونى إلى لقاء معه «الآن» فى بيته (وهو شبه ملاصق لمكتبى بالجيزة) ــ مقترحا أن أمر عليه، ثم نذهب معا لحديث صريح ــ عن خلافنا ــ فى استراحة الرئاسة فى «الهرم».

 

وفى كل الأحوال فإن «حسنى مبارك» لم يكن موجودا على شاشة الرادار فى اهتماماتى السياسية تلك الفترة.

 

●●●

 

وليس هذا مجال تفاصيل هذا اللقاء مع الرئيس «السادات» وما بعده، لكن الاتصالات واللقاءات تكررت بيننا طوال شهور شتاء 1974 وإلى ربيع سنة 1975، حتى جاء يوم ــ فى شهر مارس من تلك السنة ــ قضينا فيه الصباح بأكمله معا فى استراحة القناطر ومن الساعة العاشرة إلى الساعة الثالثة بعد الظهر، وكان «مبارك» موجودا على مجرى الحوار، وليس فقط على شاشة الرادار!!

 

والذى حدث أن الرئيس «السادات» سألنى فجأة وسط حديثنا الطويل ــ تحت شجرة «الفيكس» العريقة وسط حديقة الاستراحة فى القناطر ــ بما ملخصه: «أنه يجد نفسه حائرا بشأن منصب نائب الرئيس فى العهد الجديد بعد أكتوبر».

 

واستطرد دون أن ينتظر منى ردا: «الحاج «حسين» ــ يقصد السيد «حسين الشافعى» (والذى يشغل بالفعل منصب نائب الرئيس) ــ لم يعد ينفعنى».

 

ثم أضاف: «بصراحة جيل يوليو لم يعد يصلح، والدور الآن على جيل أكتوبر، ولابد أن يكون منه ومن قادته ــ اختيارى لنائب الرئيس الجديد!!».

 

وأضاف الرئيس «السادات» ــ مرة أخرى ــ دون أن ينتظر ردا: «جيل أكتوبر فيه خمسة من القيادات، أولهم وهو «أحمد إسماعيل» توفى ــ والآن أمامى «الجمسى» (وكان مديرا للعمليات أثناء الحرب، وأصبح وزير الدفاع بعد «أحمد إسماعيل») ــ ثم «محمد على فهمى» (قائد الدفاع الجوى) ــ ثم «حسنى مبارك» (قائد الطيران)، ثم قائد البحرية (هكذا أشار إليه دون اسم)، وهو يقصد الفريق (فؤاد ذكرى)».

 

الفريق عبد الغني الجمسي

 

وأضاف: «لابد أن يكون اختيارى ضمن واحد منهم».

 

ورددت عليه بعفوية متسائلا: «ولماذا يحشر نفسه فى هذه الدائرة الصغيرة؟ ــ أقصد لماذا يتصور أن جيل أكتوبر هو فقط هؤلاء القادة العسكريون للمعركة؟!!».

 

ورد بطريقته حين يريد إظهار الحسم:

 

«أنت تعرف أن الرئيس فى هذا البلد لخمسين سنة قادمة لابد أن يكون عسكريا ــ وإذا كان كذلك، فقادة الحرب لهم أسبقية على غيرهم».

 

وقلت والحوار تتسع دائرته:

 

«إن أكتوبر كانت حرب كل الشعب، ثم إنك قلت لى الآن عن اعتزامك تكليف وزير الداخلية اللواء «ممدوح سالم» برئاسة الوزارة، وأخشى باختياره أنك تكون قد «بولست» (عن البوليس) الوزارة، ثم إنك بـ«مبارك» نائبا لك تكون قد «عسكرت» الرئاسة، وربما يصعب على الناس قبول الأمرين معا فى نفس الوقت».

 

ورد قائلا: «أنه مندهش لترددى فى إدراك أهمية أن يكون رئيس مصر القادم عسكريا، ثم سألنى: ألست تعرف أن ذلك كان رأى «المعلم» يقصد «جمال عبدالناصر» أيضا؟!».

 

وقلت: «إن الظروف ربما تغيرت، وليس لدىَّ تحيز ضد رئيس عسكرى، لكنه مع ضابط بوليس فى رئاسة الوزارة، وضابط طيار فى رئاسة الجمهورية ــ فإن صورة ما بعد الحرب سوف تبدو تركيزا على الضبط والربط لا تبرره الأحوال، وأما فيما يتعلق برأى «جمال عبدالناصر» فإن مسئوليات الحرب ــ وبالتالى منجزاتها ــ تغيرت كثيرا عندما التحق شباب المؤهلات بجيش المليون على الجبهة».

 

وشعرت أنه متمسك برأيه، واقترحت عليه ــ بمنطق حجته:

 

ــ ليكن ــ لماذا لم تفكر فى «الجمسى» مثلا؟!!

 

ورد بسرعة:

 

ــ لا، «الجمسى» لا يصلح للرئاسة ــ «الجمسى» فلاح وهو ليس من نحتاجه فى منصب نائب الرئيس الآن».

 

وأدركت أن لديه مرشحا، وسألته فيمن يفكر، ورد على الفور على السؤال بسؤال كما كان يفعل أحيانا:

 

«ما رأيك فى «حسنى مبارك»؟!».

 

ــ وقلت: «إن اسمه لم يخطر ببالى، وإنما خطر ببالى مع إصراره على عسكرى من جيل أكتوبر، أن يكون نائبه الجديد إما «الجمسى» (وزير الدفاع الآن والذى كان مديرا للعمليات) أو «محمد على فهمى» (قائد الدفاع الجوى، وهو السلاح الذى قام بالدور الأكثر تأثيرا فى المعركة بحائط الصواريخ)، فإذا أراد غير هؤلاء، فقد يفكر فى واحد من قادة الجيوش».

 

ورد: «لا، لا أحد من هؤلاء يصلح ــ «مبارك» أحسن منهم، خصوصا فى هذه الظروف!!».

 

وسألته بالتسلسل المنطقى للحوار: أية ظروف بالتحديد؟!!

 

وراح يشرح ويستطرد ويقاطع نفسه، ثم يعود إلى سياق ما يتكلم فيه، ثم يبتعد عنه، وكنت أشعر به كما لو أنه متردد فى الإفصاح الكامل عن فكره، وإن كانت بعض العبارات قد لفتت نظرى:

 

ــ قوله مثلا: «أن هناك قيادات فى الجيش لم تفهم بعد سياسته فى «عملية السلام» ومقتضياتها».

 

ــ وقوله مثلا: «أن هناك عناصر فى الجيش لاتزال مشايعة لـ«مراكز القوى» أو متعاطفة مع «سعد الشاذلى».

 

ــ وقوله مثلا وهو يستدعى تجربة شاه إيران «محمد رضا بهلوى» الذى وصفه بأنه «سياسى عُقر»، وهو فى رأيه أوعى سياسى فى المنطقة، بحكم تجربة طويلة وراءه ــ استفاد كثيرا منها.

 

وسألنى الرئيس «السادات» هنا: «ألا يلفت نظرك أن الشاه عين زوج شقيقته «فاطمى» (الجنرال «محمد فاطمى) قائدا للطيران؟!  عنده حكمة فى هذا الاختيار، لأن الطيران يستطيع أن يتدخل بسرعة، وبقوة نيران كثيفة لمواجهة أى تمرد أو عصيان، أو حتى محاولة انقلاب».

 

وسألته: «إذا كانت تلك نصيحة من شاه إيران؟!».

 

وارتفع صوته محتجا يسأل: «هل هو فى حاجة إلى نصيحة يقولها له «الشاه»، أليس يكفينا أن نرى ما نرى، ونفهم منه ما نفهم، ثم سألنى مباشرة كمن يريد إفحام محاوره: «جرى لك إيه يا محمد؟!!».

 

ولفت نظرى قول الرئيس «السادات»:

 

«إن «مبارك» منوفى (وضحك مقاطعا نفسه: «مثلى»، ثم عاد إلى استكمال عبارته)، وله فى الطيران مجموعات بين الضباط مسيطرة على السلاح، ثم يضيف:

 

و«التأمين» قضية مهمة فى المرحلة القادمة بكل ما فيها من تحولات قد لا يستوعبها كل الناس بالسرعة الواجبة».

وسألته:

 

«لكن «الشاه» عين زوج شقيقته قائدا للطيران، وليس نائبا لرئيس الدولة!! ــ و«مبارك» فيما أتصور لا خبرة له بشئون الحكم فى سياسة كل يوم، خصوصا ما يتعلق منها بمطالب الناس ومشكلاتهم، وسألته «ثم لماذا لا تتيح له فرصة التجربة وزيرا لإحدى وزارات الإنتاج أو الخدمات، حتى يتفهم الرجل أحوال الإدارة المدنية، وحتى يحتك ــ ولو من باب الإنصاف له ــ بمطالب الناس وحاجاتهم» ــ وكان رده:

 

ــ «لا، لو فعلت ما تقترحه، فسوف أحرقه.. الإنجاز السريع فى الوزارات التنفيذية مسألة فى منتهى الصعوبة».

 

●●●

 

ومرت فى ذهنى بارقة، فقد تذكرت ذلك التقرير الذى كتبه السيد «سامى شرف» بخط يده عن مكالمة تليفونية مع نائبه الرئيس «السادات» الذى كان فى الخرطوم سنة 1970، وضمن المكالمة ما يشيـــر التقرير عن محاولة اغتيال الإمام «الهادى» بسلة مانجو فى بطنها لغم!!

 

وقلت للرئيس «السادات» وأنا لا أعرف بالضبط ما أفضى به الآن، وما أحجب مما قرأت فى مذكرة «سامى شرف»:

ــ «ولكن «مبارك» دارت حوله إشاعات فى قضية اغتيال الإمام «الهادى»، وسوف تعود القضية كلها إلى التداول فى «الخرطوم» فور إعلان تعيينه نائبا للرئيس».

 

ورد «السادات» على طريقته حين يريد «الإقناع» بما يتشكك فيه سامعه بأن: «مشكلتك (يا «محمد») أنك تصدق الإشاعات، ويظهر أن فترة الشهور التى انقطعت فيها عنى (أى منذ تركت «الأهرام» (فى فبراير 1974)) قد «أبعدتك» عن مصادر الأخبار الصحيحة».

 

وقلت بأدب: «إن الأخبار الصحيحة متاحة فى كل مكان لمن يبحث عنها»، وتصور الرئيس «السادات» أنه بملاحظته ضايقنى، وإذا بابتسامة عريضة تملأ شفتيه مرة واحدة كما يفعل حين يريد إظهار سماحته، فأضاف بنبرته الودود المشهورة عنه: «المسألة أنك بغريزة الصحفى يشدك أى خبر مثير!!».

 

وقلت: «أى خبر مثير؟! ــ أنت بنفسك رويت القصة كلها على التليفون، و«سامى شرف» سجلها بخطه لعرضها على «جمال عبدالناصر»، وما كتبه «سامى شرف» عندى فى أوراقى التى تفضلت وأعطيتها بنفسك لى!!».

 

وبدا لى أنه فوجئ، وأول ما قاله فى التعبير عن مفاجأته «آه» ــ قالها خطفا، بمعنى الدهشة!!

 

وكان سؤاله التالى بسرعة مستفسرا «وعندك الورقة التى كتبها «سامى»، ثم استطرد بأنه يريدها.. يريد أن يراها!!

 

وقلت إن الورقة موجودة ولكنها ليست «هنا»، وذكَّرته بأننى استأذنته فى إخراج بعض أوراقى الخاصة بعيدا عن مصر، خوفا عليها من تربص صراعات السلطة التى لاحت نُذُرها بعد رحيل «جمال عبدالناصر».

 

وقلت «أننى سوف أجىء له بها فى أول سفرة إلى أوروبا»، لكنى ذكَّرته بضرورة أن يتصور أن الأمريكان سجَّلوا مكالمته الأصلية مع «سامى»، وكذلك السوفييت، وربما أيضا إسرائيل، وإذن فهناك من يعرفون القصة، وربما يحتفظون بتسجيل كامل لحديثه مع «سامى»، بصرف النظر عن أية «ورقة مكتوبة»!!

 

وأخذتنا بعد ذلك تطورات الحوادث، فلا الرئيس «السادات» عاد إلى طلب الورقة، ولا أنا عُدت بها معى من سفر!!

 

●●●

 

لكن المسألة الأهم بعد هذا الحديث أننى خرجت من استراحة «القناطر» يومها مدركا عدة حقائق:

 

1ــ أن اختيار «مبارك» لمنصب نائب الرئيس لم يكن اختيارا «بسيطا» ــ بل مركبا ــ حكمته اعتبارات أخرى، فهو لم يكن اختيارا من بين الرجال الذين ظهروا فى حرب أكتوبر، على أساس دور متفوق على غيره فيها، وإنما كان اختيار «مبارك» شيئا آخر إلى جانب أكتوبر يقدمه ويزكيه.

 

2 ــ أن الرئيس «السادات» اختار رجلا يعرفه من قبل، وقد اختبر قدرته على الفعل، واستوثق منه.

 

3 ــ أن اختياره للرجل وقع وفى ذهنه قضية حيوية بالنسبة له ولسياساته ــ هى قضية تأمين النظام فى ظروف تحولات حساسة!!

 

4 ــ أن الرجل من قبل اختياره أظهر استعدادا عنده يجعله مهيأ للمضى «وراء حدود الواجب» على حد التعبير المشهور فى العسكرية البريطانية Going beyond the call of duty ــ أى المضى بتنفيذ الواجب حتى بالزيادة عليه بما ليس منه إذا قضت الأسباب!!

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) «خالد عباس»: (أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة ونائب رئيس الوزراء).

(2) أى أن «السادات» طلب من «مبارك» أن يضع تقريرا مفصلا عن عملية وضع القنابل فى سلة المانجو.