عمرو الشوبكي : التمويل السياسى

يمكن اعتبار قضية «التمويل السياسى» من الخارج أخطر قضية يمكن أن تواجه مصر فى الفترة القادمة فى ظل حالة الترهل والفوضى السائدة حاليا، وتعنى أن يدخل الساحة الحزبية والسياسية تمويل أجنبى بعيدا عن رقابة أجهزة الدولة، ونكتفى فيه بإلقاء التهم الجزافية، كما كان يحدث فى عهد مبارك، فخرجت اتهامات مرسلة ضد 6 إبريل تحدثت عن تمويل أمريكى، وأخرى ضد التيارات السلفية تحدثت عن أموال قطرية، وغاب أى جهد أو تصور لوضع آلية لرقابة التمويل الأجنبى لكثير من المنظمات الأهلية والجمعيات الخيرية لضمان عدم تحويله إلى الساحة السياسية، بما ينهى العادة الرديئة فى الاتهامات المرسلة.

إن البلاد التى فشلت فى بناء نموذج سياسى يلبى احتياجات مواطنيها هى تلك التى مولت أو صنعت تجربة التغيير فيها عن طريق الخارج، فدور أمريكا السلبى فى التجربة الأوكرانية كان أحد أسباب فشلها، ودورها الكارثى فى العراق كان السبب الرئيسى وراء تعثره، وأن أحد أهم عوامل نجاح التجربة المصرية أنها كانت بالأساس صناعة مصرية وأن طرفى المعادلة (الجيش وثوار 25 يناير) كانا نتاج التربة المحلية حتى لو تفاعلا مع العالم الخارجى بوسائل مختلفة إلا أن الأرضية التى انطلقا منها ظلت وطنية خالصة وهو الأمر الذى لا يريح الكثيرين داخل مصر وخارجها.

ولعل الأزمة المستعصية للطبقة السياسية اللبنانية على سبيل المثال، أنها اعتبرت التمويل الأجنبى أمرا طبيعيا وصار كل تيار أو تكتل سياسى أو تجمع طائفى يعتمد فى نشاطه إما على التمويل الإيرانى أو الأمريكى أو السعودى، فى وضع جعل الرئيس اللبنانى الراحل سليمان فرنجية يقول لهم فى إحدى المرات «مرحبا بكم فى وطنكم الثانى لبنان».

والسؤال المطروح مصريا: هل قضية التمويل الأجنبى مرفوضة من حيث المبدأ أم لا؟ وهل التمويل الأجنبى الذى يبدأ بشراء جهاز غسل كلى فى مستشفى وينتهى بتمويل جمعية أهلية يجب رفضه من حيث المبدأ، أم أن الأصل فى الموضوع هو قبول التمويل الأجنبى الذى يذهب لمؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدنى والنشاطات التنموية والمطلوب فقط هو أن تتابع أجهزة الدولة الرقابية ـ لا الأمنية ـ عمل هذه الجمعيات لضمان شفافية صرف الأموال وعدم الفساد؟

والحقيقة أن التمويل الأجنبى حصلت عليه جمعيات أهلية ومراكز أبحاث خاصة وعامة من كل الاتجاهات (إسلامية وليبرالية)، بل إن واحدة من أكثر المؤسسات الإعلامية احتراما ومهنية فى مصر ـ مثل إسلام أون لاين ـ كانت تمولها جمعية قطرية، وحين سحبت تمويلها توقف بث الموقع، وفشل فى أن يجد رجال أعمال مصريين يمولون موقعاً مهنياً للإسلام الوسطى حتى الآن.

كل هذه المجالات الأهلية التى يدخلها التمويل الأجنبى يجب أن تنظم وتخضع للرقابة الإدارية، لا الأمنية، لأجهزة الدولة، ويبدأ وعى المجتمع فى الارتفاع لينفق هو فى صور متعددة، من الاكتتاب وحتى التمويل، على كثير من هذه الجمعيات.

أما ما هو مجرم ويجب أن يخضع لحساب عسير فهو التمويل السياسى، أى أن توظف أموال جاءت من الخارج لصالح أحزاب أو تنظيمات أو شخصيات سياسية سواء تلقوها بشكل مباشر أو جاءت إلى جمعيات أهلية أنفقتها عليهم، وهذا تحد قادم أرجو أن نعيه قبل فوات الأوان.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: