عمرو الشوبكي : التمويل الأجنبى

لم تنفجر معركة أو خناقة واحدة وانتهت بأن عرفنا من الجانى ومن المجنى عليه، ومن على صواب ومن على خطأ، وقليلة هى القضايا التى ناقشناها من أجل الصالح العام واستبعدنا منها الحسابات الشخصية، وغابت عنها الخيبة السياسية والمهنية. وتكرر الأمر مرة أخرى، وفتح حديث حول قضية التمويل الأجنبى والدعم الخارجى كان فيه من الكذب والاتهامات الباطلة الرخيصة أكثر من أى حوار موضوعى ينتج عنه قانون ينظم هذه العملية ويحددها.

وأصبح المجتمع يعيش على شائعات تدور حول الأموال القطرية التى مولت بعض التيارات الإسلامية، والأموال الأمريكية التى مولت بعض التيارات الليبرالية دون أن نقدم شخصاً أو تنظيماً واحداً للمحاكمة بأدلة ثابتة وموثقة.

ويبدو أن الفشل المباركى لايزال مستمراً معنا حتى الآن، فالطريقة البليدة نفسها فى ترويج الشائعات لم تتغير فى حين أننا فى حاجة إلى وضع قواعد صارمة لمراقبة مسار أى تمويل أجنبى فى مصر، لأنه إذا مولت دولة أجنبية تنظيماً أو سياسياً فلنا أن نتوقع أن يأتى فى يوم الأيام رئيس جمهورية بأموال أمريكية أو خليجية، وتلك قضية لا يجب الاستهانة فيها أو التسامح عنها وترك الأمور فى إطار الشائعات والتقارير المختلقة. ولعل ما جاء فيما سمى «وثائق ويكيليكس» (عبارة عن مراسلات بين السفارة الأمريكية ووزارة الخارجية) يدل على حجم الكارثة والتلفيق المهنى والأخلاقى الذى أراد البعض أن يغرسنا فيه.

فقد نشر موقع مشبوه تقريراً اتهم فيه 25 شخصية عامة وحقوقية بتلقى دعم وتمويل أمريكى، نقله للأسف موقع جريدة الوفد الإلكترونى، وبالعودة إلى نص الوثيقتين (الرابط http://www.cablegatesearch.net/cable.php?id=08CAIRO941

وأيضا وثيقة رقم

http://wikileaks.org/cable/2009/08/09CAIRO1532.html

وكذلك 09CAIRO325 ــ 09CAIRO1140) ـ نكتشف أن ما جاء فيها تضمن أن كاتب هذه السطور والمستشار هشام البسطويسى وعدداً من الشخصيات العامة حضروا فى أغسطس 2007 عشاء خارج السفارة الأمريكية بحضور دبلوماسيين أمريكيين، وينتهى الكلام فى «ويكيليكس» عند هذا الحد، ويقرر كاتب الخبر أن يفبرك خبرين يضيفهما لأكاذيبه، الأول أن هذا اللقاء كان بغرض التمويل الأجنبى،

والثانى أنه جرى مع السفيرة سكوبى. فيما يتعلق بالخبر الكاذب الأول فإنه لم يحدث طوال حياتى البحثية والأكاديمية أن حصلت على أى تمويل أمريكى من أى نوع، أما فى المجال السياسى فأنا من المطالبين منذ زمن بتجريم أى تمويل سياسى مهما كان مصدره، وهو لم يكن وارداً فى البحث، فما بالنا بالسياسة. أما الخبر الثانى المفبرك فهو لقائى بالسفيرة الأمريكية السابقة سكوبى، ولسوء حظ كاتب الخبر الكاذب أنى لم ألتق السفيرة الأمريكية السابقة مطلقاً فى أى لقاء عام أو خاص (رغم قناعتى بأن أى باحث أو كاتب أو حتى سياسى يفترض أن يتحاور مع العالم كله بمن فيه السفراء والدبلوماسيون).

وبدل أن يتحول النقاش فى مصر من حوار جاد حول كيفية التعامل مع «التمويل السياسى»، وكيف يمكن أن ننقذ مصر من مظاهر مقلقة تنبئ بإمكانية أن تدخل أموال الخارج إلى الساحة السياسية، ناقشنا هل السلام على السفير الأمريكى صواب أم خطأ، وهل استقبال رئيس حزب الوفد عشرات الساسة الأوروبيين والأمريكيين مقبول، واستقبال قادة الحرية والعدالة مؤخراً مرشح الرئاسة الأمريكى جون كيرى مكروه.. كل هذا النقاش والاتهامات المفبركة الرخيصة تخرجنا من أى حوار جاد حول قضية التمويل الأجنبى ومخاطر التمويل السياسى.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: