حسن نافعة يكتب : خواطر فى بداية عام الحسم (2-2)

غادرت عمان فى صيف عام 2009 بعد أن قدمت استقالتى من منصبى كأمين عام لمنتدى الفكر العربى وفى حلقى بعض المرارة، لكننى مع ذلك كنت شديد الاقتناع بالموقف الذى اتخذته بعد أن توصلت إلى قناعة مفادها أن ضغوط النظام المصرى ستتواصل بشدة فى فى المرحلة المقبلة بسبب موقفى من مشروع التوريث، وأنه بات علىّ أن أختار بين احتفاظى بمنصبى والاستمرار فى مقاومة هذا المشروع عبر الكتابة الصحفية والمشاركة فى البرامج الحوارية عبر وسائل الإعلام المختلفة.

غير أنه لم يدر بخلدى لحظة واحدة أن مفاجأة كبيرة كانت تنتظرنى بعد أسابيع قليلة من عودتى إلى القاهرة وأن القوى السياسية المختلفة ستعرض علىّ القيام بدور المنسق العام للحملة التى تعتزم إطلاقها «ضد التوريث». ولا أستطيع، للأمانة، أن أقطع بما إذا كان هذا الشعور بالمرارة قد أسهم لا إراديا فى إقناعى بقبول هذا العرض.

 لكننى أستطيع أن أقول بارتياح شديد إن إحساسى العميق بخطورة مشروع التوريث على مستقبل مصر جعلنى إنخرط بكل كيانى فى عمل سياسى مباشر تمنيت ألا يستهدف فقط إسقاط مشروع التوريث وإنما أن يسعى فى الوقت نفسه لصياغة مشروع للتغيير، ومن هنا ترحيبى الشديد ببيان الدكتور البرادعى وحماسى الشديد للتنسيق معه والترتيب للقاء الذى أسفر فى النهاية عن تأسيس الجمعية الوطنية للتغيير وذوبان الحملة ضد التوريث فى الحركة الجديدة.

كنت على يقين من أن عامى 2010 و2011 سيشهدان صراعا حادا بين القوى الساعية لفرض مشروع التوريث والقوى المصممة على رفضه والساعية لتغيير النظام القائم من أساسه. ولأننى كنت على يقين فى الوقت نفسه من أن أيا من القوى القائمة لن يستطيع أن يسقط مشروع التوريث أو ينجز مشروع التغيير بمفرده، فقد اعتبرت أن جمع قوى المعارضة فى إطار تنظيمى واحد يجب أن يكون هو الهدف الرئيسى ومحور الحركة والنشاط السياسى فى المرحلة المقبلة.

لذا كان أول عمل قمت به بعد تولى مهمتى كمنسق للحملة ضد التوريث الاتصال بالأحزاب الثلاثة الرئيسية التى لم تكن منخرطة فى الحملة حتى ذلك الوقت، غير أنها رفضت، إلا أن نزول البرادعى إلى ساحة العمل السياسى المباشر، بإصداره البيان الشهير، ساهم فى تغيير مسار الحركة ضد التوريث. ومع ذلك فعندما أقارن الآن حالة الحماس التى كنت عليها فى بداية عام 2010 بحالة الإحباط التى شعرت بها فى نهاية هذا العام، التى دفعتنى للاستقالة، أتذكر على الفور حجم العراقيل التى واجهتها لتوحيد صفوف المعارضة.

«شباب مصر يطرق أبواب التغيير» كان عنوان أول مقال أسطره فى بداية عام 2010، وقدمت له كالتالى: «هل نحن أمام صحوة جيل قرر النهوض والانتفاض من أجل إنجاز مهمته التاريخية فى إحداث التغيير الذى يبدو واضحا أن الجميع بدأ يتطلع إليه الآن ويراه قريبا؟»، وبعد استعراض عدد من المؤشرات التى توحى ببداية دخول الشباب بقوة ساحة العمل السياسى فى مصر، اختتمت مقالى قائلا: «لا يخالجنى شك فى أن النظام القائم لن يستطيع وقف مسيرة شعب بات مصمما أكثر من أى وقت مضى على إحداث تغيير جذرى بالطرق السلمية.

 فحين تبدأ هذه الشرائح الشبابية بطَرْق الباب من أجل التغيير، فليس هناك مناص أمام النظام من أن يسارع بفتحه والقبول بضرورات التغيير أو يدفع بالبلاد كلها نحو سيناريو الفوضى، التى لن تكون خلاقة أبدا». أما آخر مقالاتى لهذا العام فكان عنوانها كالتالى: «فلنقاوم اليأس من الحاضر ولنتفاءل بالمستقبل» (31/12)، وهو عنوان يكفى فى حد ذاته للدلالة على أن الحاضر لم يكن مشرقا. وقبل هذا المقال مباشرة تحدثت عن «الإنذار التونسى» (30/12)، وعن سفينة مصر التى بدت لى تائهة فى ذلك الوقت (28/12).

حين أتذكر عدد المعارك التى خضتها خلال هذا العام ونوعيتها أستغرب كيف صمدت. بعض هذه المعارك تعلق بموقفى من الدكتور البرادعى، سواء حين كنت شديد الحماس له (طالع ردودى على مشاغبات صلاح عيسى خاصة مقالى بعنوان افتراء فى 8/3) أو حين بدأت خلافاتى معه تظهر للعلن (راجع مناوشات بلال فضل). وبعضها الآخر تعلق بموقفى من الإخوان المسلمين وحرصى على التعاون معهم من خلال الجمعية الوطنية، وهو الموقف الذى دفع الأستاذ عصام سلطان، نائب رئيس حزب الوسط، لمهاجمتى واعتبارى ساذجا يسهل على الإخوان أن يضحكوا علىّ (راجع بعبع الإخوان فى طبعته الجديدة). وبعضها الثالث بسبب قرار الوفد خوض الانتخابات البرلمانية التى زورها أحمد عز. فعندما انتقدت هذا القرار هاجمنى كل من الدكتور السيد البدوى والأستاذ مصطفى شردى ونعتانى بأبشع الألفاظ.

غير أن أغرب هذه المعارك بدت فى ظاهرها مع عادل إمام لكنها كانت فى حقيقتها ضد القوى المناوئة لمشروع التغيير، خاصة وسائل الإعلام بما فيها الصحافة المستقلة وعلى رأسها «المصرى اليوم». ومن المعروف أن علاقتى بـ«المصرى اليوم» تطورت كثيرا خلال هذا العام. إذ كنت قد رتبت أوضاعى على كتابة مقال أسبوعى واحد منذ بداية ظهور هذه الصحيفة تقريبا، ثم زاد العدد إلى مقالين كل أسبوع اعتبارا من 21/2/2010، لينتهى بمقال أسبوعى وعمود يومى اعتبارا من 4/3 من نفس العام.

ومع ذلك فعندما وجدت الصحيفة التى أكتب فيها تخص الفنان عادل إمام بحوار سياسى مطول ينشر على ثلاث حلقات ويفرد لكل حلقة صفحتان كاملتان، لم أحتمل الصمت. فقد بدا لى الحوار وكأنه محاولة لتوظيف الفنان الكبير للدفاع عن مشروع التوريث بل الترويج له فى مواجهة مشروع التغيير. لم أتردد فى انتقاد الصحيفة التى أكتب فيها فكتبت مقالا بعنوان «الكوميديان والسياسى» وصفت فيه طريقة إخراج هذا الحوار بأنها «سقطة مهنية». وانفتحت علىّ النيران من كل مكان ليس من داخل الصحيفة، حيث قام الأستاذ أحمد الصاوى، وهو صحفى أحبه وأقدر قلمه، بالواجب، ولكن من كل الصحف القومية وغير القومية تقريبا. لكن أكثر ما آلمنى على المستوى الشخصى كان دخول الأستاذ السيد ياسين الحلبة، فقد هاجمنى بإسفاف فى مقال لم يذكرنى فيه بالاسم، نشرته الصحيفة الأسبوعية التى يرأس تحريرها الأستاذ صلاح عيسى، وكنت أربأ بالمفكر سيد ياسين أن ينزل إلى هذا المستوى، خصوصا أن الرجل سبق أن مدحنى كثيرا فى كتابات سابقة. لكنها السياسة، عليها اللعنة!.

لم يفتّ فى عضدى كل هذه المعارك. ما فتّ فى عضدى حقا هو الخلافات التى بدأت تظهر تباعا داخل الجمعية الوطنية للتغيير لأسباب كثيرة منها:

1- تغيب الدكتور البرادعى كثيرا فى الخارج لأسباب بعضها مقبول وبعضها الآخر غير مقنع على الإطلاق، من وجهة نظر الذين يعتبرون التغيير السياسى قضيتهم الأولى.

2- سلوك الدكتور البرادعى وطريقته فى التعامل التى دفعت بعض أقرب المقربين له، ومنهم الدكتور أبوالغار والأستاذ حمدى قنديل، لتقديم استقالاتهم فى مرحلة أو أخرى، ودفعتنى شخصيا لتقديم استقالتى أكثر من مرة.

3- خوف بعض الشخصيات التى كانت تطمح فى الترشح للرئاسة، كالدكتور أيمن نور والأستاذ حمدين صباحى، من تحول الجمعية إلى أداة لدعم البرداعى.

4- التنافس بين بعض القوى السياسية ومحاولة البعض استغلال الجمعية لتصفية حسابات سياسية قديمة، كالخلاف بين جماعة الإخوان وحزب الوسط.. الخ. وقد أدت هذه الخلافات فى النهاية إلى دفعى لتقديم استقالتى من الجمعية، لكنى كنت حريصا على التأكيد على أن استقالتى من الجمعية لا تعنى استقالتى من السياسة أو عدم اقتناعى بأهمية الجمعية كإطار تنظيمى. فقد بذلت جهدا كبيرا لإقناع الدكتور عبدالجليل مصطفى لكى يقبل منصب المنسق العام الجديد، وبقيت على تواصل دائم معه فى كل ما يتصل بأمور الجمعية حتى وقتنا هذا.

لست على يقين من أن جميع القرارات التى اتخذتها، بما فى ذلك قرار الاستقالة من الجمعية الوطنية للتغيير، كانت صائبة، لكننى على يقين من أننى كنت ومازلت مقتنعا بها. ولقد حاولت بكل ما أملك من جهد توحيد القوى الوطنية خلف رمز واحد للتغيير، وليس بالضرورة خلف مرشح رئاسى واحد، لكن ذلك بدا مستحيلا فآثرت ترك العمل التنظيمى والجهاد من خلال القلم وحده. وقد جرت علىّ قناعاتى مشكلات كثيرة، لكننى لم أتردد فى التضحية بكل شىء حين بدا ذلك ضروريا، بما فى ذلك الامتناع عن الكتابة فى «المصرى اليوم» حين تعمد أحد المحررين الإساءة إلىّ من خلال الإساءة إلى الجمعية الوطنية للتغيير.

كنت أدرك أن شيئا ضخما وكبيرا سيحدث فى مصر خلال 2010 و2011، وكنت أتمنى أن تكون القوى السياسية موحدة وجاهزة بمشروع للتغيير حين تندلع الشرارة. لكن الشرارة فاجأت الجميع. وأعتقد أنه كان بإمكان الدكتور البرادعى أن يكون رمز هذا التغيير حين انطلقت الشرارة، وأن يقود المرحلة الانتقالية لكنه أضاع الفرصة لأنه لم يدركها ولم يستعد لها بما فيه الكفاية. لذا فاجأتنا الثورة عندما اندلعت، ولم نستطع حمايتها بعد اندلاعها. ومع ذلك فلن يعود شعب مصر إلى الوراء أبدا.

اليوم ومع بداية عام جديد تبدو الثورة المصرية فى مفترق طرق. فقد سارت فى طرق متعرجة وتاهت سفينتها، لكنها استطاعت مع ذلك أن تطيح برأس النظام ورموزه وأن تفرض إجراء انتخابات حرة ونزيهة. غير أن الطريق نحو تأسيس نظام ديمقراطى مازال طويلا ولم يكتمل بعد، وسيكون عام 2012 هو عام الحسم. فهل ننجح فى حسمه لصالح الثورة أم أن مشروع سرقتها سيكتمل؟

لنترك الخواطر والانطباعات إذن، ولنلق نظرة على احتمالات المستقبل، فإلى الأسبوع المقبل بإذن الله.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: