سحر الموجي : الأفاك والمهرج وأنا وأنت

هل بإمكان الأفاك أن يهزم المهرج، خاصة فى زمن الثورة؟ سؤال يتردد فى ذهنى بإلحاح كلما تابعت عروض الاستربتيز المجانية التى يقدمها الأفاكون، الكاذبون، المتطوعون لخدمة السلطان الجائر، وتضم هذه الفئة تشكيلة متنوعة ورخيصة من الإعلاميين والسياسيين والشيوخ والشخصيات العامة، ومن المعروف أن هؤلاء يتكاثرون فى أزمنة الفساد، وبتشجيع صامت من السلطة العجوز المتشبثة بالمقعد رغم صراخ الشعب بسقوطها. أما المهرج فهو تلك الشخصية التى اعتاد ملوك أوروبا فى العصور القديمة والوسطى تقريبها منهم، فهو يُضحك الملك فى نفس اللحظة التى يقول له فيها الحقيقة دون مواربة.

 يُحكى أن ملك أسكتلندا وإنجلترا جيمس الأول (1566/1625) كان كسولاً فى قراءة الأوراق الرسمية قبل توقيعها، وقد قام مهرج الملك، واسمه جورج بوشنان، باستدراجه لتوقيع ورقة بتنازله عن العرش لمدة خمسة عشر يوما، وقد فهم الملك الدرس جيدا بعد هذا القلم الذى تلقاه من المهرج. أما الملكة إليزابيث التى سبقت جيمس الأول فى حكم إنجلترا فيقال إنها قد وبخت مهرج قصرها لأنه لم يكن قاسياً معها كما ينبغى! وقد أبدع الأدب الأوروبى فى تصوير شخصية المهرج كما هو واضح فى مسرحيات شكسبير، الذى وصف المهرج فى مسرحية «الليلة الثانية عشرة» بأنه «كان حكيما بما يكفى أن يكون مهرجاً».

وعلى الرغم من أن شخصية الأفاك قد لازمت عهد المخلوع وترعرعت فيه، فإن مستوى أفاك ما بعد الثورة قد تدنى إلى الحضيض. فعلى الأقل كان أفاكو «مبارك» من رؤساء تحرير الصحف الحكومية وأعضاء مجلس- لا مؤاخذة- الشعب ونجوم الفن، أما سنة 2011 فقد أتحفتنا بأفاكين بعضهم من حملة شهادة محو الأمية، وبالعافية، وربما بدت أصواتهم عالية ورديئة وفجة، بسبب حالة السعى للحرية التى تعيشها مصر منذ 25 يناير الماضى، فبينما تسعى الأقلية الواعية التى قامت بالثورة، ودفعت ثمنها، واستمرت فى حمايتها، إلى المزيد من مساحات الحرية، يتأكد صوت الأفاك كأنه أنكر الأصوات.

الأفاكون فى 2011 كثر ولاشك، لكن أعداد المهرجين أكبر مما يتصوره الأفاك وسيده. فالمهرج المكروه من السلطان والمطرود من قصره لا يتمثل فقط فى مقدمى برامج وكتاب وفنانين وشخصيات عامة تجهر بالحق فى زمن القهر، لكنه أيضا كل مصرى يفكر فى نكتة أو يرسم صورة أو يكتب تعليقاً أو يغنى أغنية تضحكنا فى نفس اللحظة التى تقول فيها الحقيقة، ولا أعتقد أن تاريخنا الحديث قد شهد هذا الفيض الهائل من الإبداع فى الكلمة والصورة والغناء مثلما نشهد فى هذه اللحظة، وللإنترنت بالتأكيد دوره فى توصيل وانتشار هذا الإبداع.

فى عام ثورة مصر يقول الأفاك عن المهرج إنه عميل وصاحب أجندة، ويتلقى تمويلات خارجية، ويبطح نفسه فى الحائط كى يرمى بلاه على أعضاء المجلس العسكرى الشرفاء. أما المهرج فيقول للأفاك نفس ما قاله مهرج الملك لير منذ أربعة قرون: «وغد خسيس، تأكل من بقايا المائدة، حقير، متعجرف، ضحل، صعلوك، قذر، يتطلع معجبا إلى المرآة ويقدم خدماته دون طلب، وخدماته فى أن يكون قوادا، ولست إلا مزيجا من الوغد والشحاذ والجبان والقواد».

هل يعتقد الأفاك أن بإمكانه أن يهزم المهرج؟

كان غيره أشطر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: