د . حسن نافعة : البطش الغبى

لا أحد يعرف بالضبط من هو هذا العبقرى الذى اتخذ قرارا بالإغارة على مقار عدد من الجمعيات العاملة فى مجال حقوق الإنسان فى مصر والاستيلاء على ما فى حوزتها من أوراق وأموال وأجهزة كمبيوتر وغيرها. فالبعض يؤكد أنه إجراء قضائى أمر به القاضى المنتدب للتحقيق فى قضية التمويل الأجنبى غير المصرح به للجمعيات الأهلية، والبعض الآخر يرى أنه تم بأوامر مباشرة من المجلس العسكرى، لأن قاضى التحقيق لا يجرؤ على اتخاذ قرار فى أمر على هذا القدر من الأهمية، بسبب أبعاده السياسية على الصعيدين المحلى والدولى، إلا إذا كان قد حصل مسبقا على ضوء أخضر من أعلى مراكز صنع القرار.

 ولأن هذا النوع من الغارات لا يتم عادة، ويجوز أصلا، إلا فى مواجهة عصابات إرهابية أو تجار سلاح ومخدرات أو غيرها من العصابات الإجرامية، فمن المؤكد أنه ينطوى على تصرف غير مقبول، وسيقابل بأكبر قدر من الاستهجان والإدانة من الجميع، وعلى جميع المستويات، أياً كانت الجهة التى أمرت أو صرحت به.

ولا أحد يعرف بالضبط حقيقة الأهداف المتوخاة من هذه الغارة: هل للحصول على معلومات لا يستطيع قاضى التحقيق أن يحصل عليها بطريق آخر، أكثر نبلا واتساقا مع دولة القانون وحقوق الإنسان الفردية والجماعية؟ أم لإشاعة الخوف والرعب عند جماعات تقوم بأنشطة غير مرغوب فيها من وجهة نظر السلطة القائمة، لردعها عن القيام بمثل هذه الأنشطة؟ وهل رسالة التخويف هذه موجهة للداخل، أم للخارج، أم لكل من يعنيه الأمر فى الداخل والخارج؟. ولأنه يتعذر تحقيق أى من هذه الأهداف، مهما كان نبلها أو مشروعيتها، بوسائل من هذا النوع، فليس من المستبعد إطلاقا أن يؤدى الاستخدام المفرط لوسائل البطش والإرهاب على هذا النحو إلى نتائج معاكسة تماما للأهداف المرجو تحقيقها.

لقد شارك فى هذه الغارة الهمجية، كما تردد فى وسائل الإعلام، قوات صاعقة أو شرطة عسكرية، ورجال تابعون لجهاز الأمن الوطنى «أمن الدولة سابقا» ووكلاء للنائب العام، مما أثار ردود أفعال دولية حادة، وصلت إلى حد قيام أطراف رسمية أمريكية بالتهديد، كالعادة، بقطع المعونة العسكرية التى تبلغ قيمتها 1.3 مليار دولا سنويا، وصدرت عن بعض الدول الأوروبية احتجاجات غاضبة قوية بدا معها الحكم فى ظل المجلس العسكرى كأنه أسوأ مما كان عليه فى ظل مبارك. وقد أدت هذه الضغوط الخارجية إلى تراجع فورى من جانب السلطات المصرية التى وعدت بإعادة كل الأموال والأوراق والأجهزة التى تمت مصادرتها. وبهذا تكون السلطات المصرية قد خسرت قضيتها بالكامل وهزمت مرتين، مرة حين أقدمت على قرار أحمق وغير مدروس، ودون تشاور مسبق حتى مع المجلس الاستشارى الذى يفترض أنه أنشئ لتجنب مثل هذه العشوائية فى اتخاذ القرارات، ومرة ثانية بتراجعها الذليل والمهين أمام الضغوط الخارجية.

المنظمات الحقوقية هى جزء لا يتجزأ من مجتمع مدنى تعد حيويته أحد أهم مقاييس كفاءة النظم السياسية. ولا جدال فى حق كل دولة فى اتخاذ ما تراه من إجراءات لتنظيم عمل مؤسسات المجتمع المدنى فى إطار من الالتزام بالقانون وبالنظام العام.

 غير أنه يتعين على هذه الإجراءات أن تحافظ، من ناحية، على حيوية المجتمع المدنى ضمانا لقيامه بالوظائف العديدة والمهمة الملقاة على عاتقه والتى لا تستطيع الدولة أن تقوم بها، وللحيلولة، من ناحية أخرى، دون قابلية مؤسساته للاختراق الأجنبى، سواء من خلال التمويل أو من خلال تجنيد العناصر التى تقبل التعامل وفق أجندات خارجية.

 غير أننى أخشى أن تكون الحكومة المصرية قد خسرت الآن معركتها على الصعيدين، فأى حديث الآن عن التمويل الأجنبى أو عن الأجندات الخارجية سيكون مشكوكا فى مصداقيته بعد غارة تجمع بين البطش والغباء فى آن، خصوصا أنها تبدو انتقائية وموجهة ضد جماعات بعينها تبدو الأكثر انتقادا لتجاوزات المجلس العسكرى فى الآونة الأخيرة، وتجاوزت عن آخرين قيل أيضا إنهم يتلقون أموالاً ويعملون وفق أجندات أجنبية.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: