بقلم د.حسن نافعة : خواطر فى بداية عام الحسم (١-٢)

أود فى البداية توجيه تهنئة، حارة وخالصة، إلى قرائى الأعزاء، خاصة المسيحيين منهم، بمناسبة بداية عام ميلادى جديد لأننى شرعت فى كتابة هذه الخواطر قبل ظهر يوم السبت، آخر أيام عام ٢٠١١، وعندما تصبح فى متناول القراء سيكون اليوم الأول من عام ٢٠١٢ قد حل علينا بالفعل. والواقع أننى كثيراً ما أشعر عند نهايات الأعوام التى نستعد لتوديعها وبدايات الأعوام التى نتهيأ لاستقبالها بحاجة ماسة إلى وقفة مراجعة حول مغزى وأهمية وفائدة ما أقوم به من نشاط عام، سواء بالنسبة لى شخصيا أو بالنسبة للوطن ككل، أحاول فيها إعادة تقييم مواقفى وما إذا كانت تتطلب إعادة نظر أو تصحيح فى ضوء ما طرأ من مستجدات على الساحة.

وتحدونى اليوم رغبة مخلصة فى أن أشرك القارئ معى فيما يجول بخاطرى فى هذه اللحظة حول تقييمى لتجربتى الشخصية فى حراك سياسى بدأ منذ أعوام، ثم مر بمراحل متعددة إلى أن وصل ذروته باندلاع الثورة الكبرى، لكنه لم يحقق بعد كل أهدافه، وأظن أنه بدأ يدخل الآن عام الحسم. ولأن الله أعطانى من الشجاعة ما يكفى ليس فقط لمواجهة الآخرين، وإنما أيضا لمواجهة النفس التى هى أمارة بالسوء أحيانا! فلن أتردد مطلقاً فى مكاشفة القارئ بكل ما يجول فى خاطرى الآن حول تلك التجربة، بما فى ذلك تقييمى لأدائى الشخصى.

لقد سبق لى أن أوضحت أكثر من مرة أن الأوقات التى أشعر فيها بسعادة حقيقية هى تلك التى أقضيها فى القراءة والكتابة والعمل البحثى. ولأن مهنتى كباحث متخصص فى العلوم السياسية، فضلاً عن اهتماماتى كمواطن، تضعنى فى تماس مباشر مع مختلف القضايا الوطنية، وتدفعنى دفعاً لتحديد موقفى مما يدور على الساحة، فقد كان من الطبيعى أن يكون لكتاباتى الأكاديمية أو الصحفية صدى، إيجابى أو سلبى، عند الممارسين للعمل العام، سواء على الصعيد الرسمى أو على الصعيد الشعبى، وأن أدعى للانخراط مباشرة فى أحزاب سياسية أو فى منظمات أو حركات سياسية.

ولم تكن الدعوة مقصورة على أحزاب المعارضة على اختلاف أنواعها، ولكنها شملت الحزب الوطنى أيضا، خصوصا حين كان الدكتور ممدوح البلتاجى أمينا للقاهرة، ثم لجنة السياسات فى بداية تشكيلها، غير أننى رفضت كل هذه العروض ليس تعالياً على أحد، ولكن حرصا على استقلالى الفكرى، من ناحية، واتساقا مع تكوين شخصى لا يميل بطبعه للانخراط فى أطر تنظيمية عامة «شللية» خاصة. غير أن هذا الموقف المبدئى لم يمنعنى قط من التواصل المثمر مع الأحزاب والحركات السياسية ومنظمات المجتمع المدنى. فخضت انتخابات نادى أعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة وأصبحت مسؤولا عن نشاطه الثقافى وقبلت الترشح على قائمة حزب التجمع فى أول انتخابات بالقوائم النسبية عام ١٩٨٤، وكنت على صلة وثيقة بحركة كفاية فى بداية نشأتها وحضرت عدداً من الاجتماعات لتقييم أدائها… إلخ.

غير أن إحساسى بخطورة مشروع التوريث، الذى كنت قد بدأت أكتب عنه كثيراً، دفعنى للمشاركة بحماس فى الجبهة الوطنية للتغيير برئاسة المرحوم الدكتور عزيز صدقى. ففى الاجتماع التأسيسى الذى عقد فى مكتب الدكتور صدقى، الذى حضره نخبة كبيرة من الشخصيات العامة، طلب من المستشار طارق البشرى فى نهاية الاجتماع كتابة البيان التأسيسى للجبهة، وعندما اعتذر كُلّفت أنا بكتابته، ووصفت فيه النظام القائم بأنه يجسد «تحالف الفساد والاستبداد»، وكانت تلك هى المرة الأولى التى يظهر فيها هذا المفهوم، الذى ذاع صيته بعد ذلك، وحضرت مع الدكتور صدقى جميع الاجتماعات التى عقدت فى مقر حزب الوفد للتنسيق بين القوى السياسية فى انتخابات مجلس الشعب لعام ٢٠٠٥. ورغم أن هذه الموجة من الحراك السياسى ما لبثت أن خفتت، خاصة بعد «فوز» مبارك فى «انتخابات» الرئاسة فى نوفمبر من هذا العام، ثم تمرير تعديلات دستورية تكرس مشروع التوريث عام ٢٠٠٧، فقد بقيت على صلة وثيقة بالدكتور عزيز صدقى وتابعت إحباطاته من تصرفات مختلف القوى حتى وافته المنية.

فى أحد أيام شهر فبراير من عام ٢٠٠٧، وبينما كنت أحضر اجتماعاً لمجموعة عمل الموسوعة المصرية فى مكتبة الاسكندرية، تلقيت اتصالا من الدكتور عدنان بدران، رئيس الوزراء الأردنى الأسبق، يحيطنى فيه علماً بنبأ اختيارى أمينا عاما لمنتدى الفكر العربى، وعندما أخبرته بأننى لم أتقدم لشغل هذا المنصب، قال لى إنه يعلم ذلك، وأن اسمى رشح أثناء المؤتمر العام للمنتدى، وتم اختياره بالإجماع، غير أننى طلبت مهلة للتفكير، وتشاورت مع كل من الدكتور صلاح فضل والدكتور يحيى الجمل اللذين كانا معى حين تلقيت مكالمة الدكتور بدران، فشجعانى بشدة على قبول هذا المنصب الفكرى الرفيع. غير أننى طلبت لقاء مع الأمير الحسن بن طلال، رئيس المنتدى وولى عهد الأردن، وأبديت خلاله حرصى على مواصلة كتاباتى الصحفية ومشاركتى فى البرامج الحوارية كشرط لقبول المنصب، فوافق الأمير، وقدمت استقالتى من منصبى كرئيس لقسم العلوم السياسية فى جامعة القاهرة، وتسلمت منصبى كأمين عام لمنتدى الفكر العربى فى أول مارس عام ٢٠٠٧، وأقمت فى الأردن حتى قدمت استقالتى فى يوليو ٢٠٠٩.

لست متأكدا مما إذا كان قبولى لهذا المنصب فى ذلك التوقيت قرارا صائبا، وكنت أحس ببعض الذنب لأننى تركت وطنى فى تلك الأجواء الملبدة بالغيوم السياسية، خفف من هذا الإحساس أمران، الأول: قدرتى على التواصل مع هموم الوطن من خلال الكتابة، التى هى أداتى الرئيسية، والمساهمة فى البرامج الحوارية. والثانى: أنه لم يسبق لى الحصول على أى إعارة خارجية، رغم كثرة العروض، وكنت بحاجة ماسة للسفر فى ذلك الوقت لأسباب مادية. وأيا كان الأمر فلم أنقطع قط عن كتابة مقالى الأسبوعى فى «المصرى اليوم» طوال تلك الفترة. ولأن تركيزى الرئيسى فى تلك الفترة كان على خطورة مشروع التوريث، من ناحية، وعلى الفساد، من ناحية أخرى، وعلى تآكل دور مصر على الصعيدين الإقليمى والدولى، من ناحية ثالثة، فقد أطلق النظام السابق العنان لرجاله فى وسائل الإعلام لشن حملة ضارية على شخصى الضعيف قادتها إحدى المجلات الأسبوعية التى كان رئيس تحريرها مقرباً من جمال مبارك.

وعندما لم يفلح الهجوم على بدا رئيس التحرير يوجه سهامه مباشرة إلى الأمير الحسن بن طلال ويتهمه بدفع آلاف الدولارات لى للهجوم على النظام المصرى وعلى الرئيس مبارك، وبدأ صدى هذه المقالات يصل إلى السفير المصرى فى عمان ومنه إلى القصر فمكتب الأمير. وعندما أحسست أن هذه الحملات بدأت تحدث بعض التأثير وتفسد أجواء العلاقة الممتازة بينى وبين الأمير الحسن، بدأت أكتب تحت مقالاتى عبارة تشير إلى أنها «لا تعبر عن منتدى الفكر العربى». ولأن ذلك لم يكن كافيا، قدمت استقالتى بهدوء وعدت إلى القاهرة غير آسف ولا نادم.

كنت أثناء تواجدى فى الأردن قد تلقيت اتصالاً تليفونياً من فريق إعداد برنامج العاشرة مساء لمداخلة تليفونية أثناء استضافة الإعلامية المتميزة منى الشاذلى للدكتور محمد البرادعى، الذى لم يكن قد سبق لى اللقاء به حتى ذلك الوقت، فقبلت. سألته أثناء المداخلة: لماذا لا ترشح نفسك لانتخابات الرئاسة المقبلة؟

فأجاب بخجل أنه على استعداد لخدمة بلاده فى أى موقع!. بعد ذلك بشهور التقيت فى عمان بزميلتى الدكتورة منى البرادعى، حيث كانت تشارك فى ندوة هناك، وسألتها عما إذا كان شقيقها الدكتور محمد البرادعى يرغب حقا فى ممارسة العمل العام فى مصر بعد عودته من فيينا فى نهاية العام، فأجابت بأنه مهتم بالفعل، فقلت لها أرجوك أن تبلغى الدكتور «محمد» على لسانى بأن عامى ٢٠١٠ و٢٠١١ سيكونان أخطر عامين فى تاريخ مصر الحديثة، لأنهما سيشهدان انتخابات البرلمان والرئاسة، وعليهما يتوقف مصير مشروع التوريث الذى يجب ألا يمر، وبأن ترشحه للانتخابات الرئاسية سيساعد كثيرا فى محاصرة هذا المشروع وربما إسقاطه. ولا أعرف ما إذا كانت هذه الرسالة قد وصلته أم لا.

بعد شهور قليلة من عودتى إلى القاهرة اتصل بى الدكتور أيمن نور يدعونى ليس فقط للمشاركة فى إطلاق «حملة ضد التوريث»، وإنما لتولى مهمة المنسق العام، فاشترطت إجماع كل القوى السياسية المشاركة، وعندما تمت الاستجابة، قبلت القيام بهذا الدور السياسى المباشر، لأول مرة فى حياتى، وشرعنا للعمل بحماس من أجل إسقاط مشروع التوريث.

ولم تكد تمضى شهور قليلة حتى أصدر الدكتور محمد البرادعى بيانه الشهير من فيينا، فرحبنا به ترحيباً شديداً فى الحملة، وبدأت اتصالاتى التليفونية به لأول مرة، وتواصلت يوميا تقريبا. ثم قمت بدعوة الشباب المتحمس لظهور البرادعى للمشاركة فى «حملة ضد التوريث»، ونسقت معه تنظيم استقبال شعبى للبرادعى، وحرضت الشباب فى إحدى مقالاتى على الذهاب إلى المطار والمشاركة فى الاستقبال الشعبى (راجع مقال: هل ينجح شباب مصر فى تنظيم استقبال جماهيرى للبرادعى، بتاريخ ١٤/٢/٢٠١٠)، وكنت فى مقدمة الذين توجهوا إلى المطار.

 وبدأت الاتصال به تليفونيا لأول مرة، واتفقت معه على تنظيم لقاء يجمعه والنشطاء فى حملة ضد التوريث، على أن أتولى الترتيب لهذا الاجتماع ودعوة من أراه. وقد أسفر هذا الاجتماع – الذى توليت إدارة المناقشات فيه – عن تأسيس «الجمعية الوطنية للتغيير» برئاسة الدكتور البرادعى، على أن أقوم فيها بدور المنسق العام، وهكذا اندمجت حملة ضد التوريث فى الجمعية الوطنية للتغيير.

لقد شرحت بالتفصيل خلافاتى مع البرادعى وأسبابها، وقمت بتقييم تجربتى فى الجمعية من خلال سلسلة من المقالات تحت عنوان: مراجعات، وبعد شهور قليلة اندلعت الثورة، بينما كان البرادعى خارج البلاد.

.. وللخواطر بقية.

Advertisements

One response to “بقلم د.حسن نافعة : خواطر فى بداية عام الحسم (١-٢)”

  1. محمد says :

    دكتور حسن …هل عندك الشجاعة الكا فيةانك تواجه القضاة وتقولهم مبارك لابد ان يعدم هو وكل رموزه هل عندك الشجاعة انك تواجة طنطاوى بمايفعله من قذارة وتواطؤ مع اليهودى مبارك طبعاالاجابة هى لا يبقى هنا انا حقف واقوللك مش ناقصة استخفاف بعقول الشعب بكلام معسول فمعذرة لو قلت لك ان كلامك هذا ليس له علاقة بالواقع كلام مجرد انه يعجب الناس وتقول الله على كلامك ….انا كاقارئ ماليش علاقة بخواطرك سوى كانت هيفا او مش هيفا ..واضح من كلامك انك مرتاح ماديا ولذلك بتتكلم من بره ارض الواقع وبعيد كل البعد عن اللى بيحصل فى البلد ….فا ياريت تلموا الدور وتلايموها بقى وكفاية البلد مش ناقصة حركات قرعة انتوا ناس لا حتودوا ولا حتجيبوا انتوا ناس مستفادين ماديا فقط من اللذين يقمون يتمويلكم ياريت ترحوا تتفسحوا وتتستجموا فى شرم الشيخ حسين سالم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: