موقعة الجمل 02-02-2011 … رؤية من داخل الميدان

كانت لحظات خارج الزمن والمكان, في ظهيرة يوم الأربعاء عندما قام أعداد كبيرة من مؤيدي مبارك بالتدفق على ميدان عبد المنعم رياض المجاور لميدان التحرير وذلك بهدف اخلاء الميدان بالقوة, الميدان كان مليئا بمواطنين مصريين لايريدون سوى حريتهم وكرامتهم… فجأة اقتحم ميدان التحرير أعداد من البلطجية وعناصر مأجورة من النظام المصري الطاغي للقضاء على الاعتصام السلمي, كان المشهد ملئ بالأحداث الدموية التي اخترقت الميدان فجأة.

في حوالي الساعة الواحدة ظهرا الموافق الثاني من فبراير, اخترق البلطجية الصفوف وهم على صهوة الجمال والخيول وبأيديهم سيوف لارهاب المعتصمين وتفريقهم, ومن خلفهم أعداد هائلة مما يقال انهم مؤيدي مبارك, في حقيقة الأمر هم يعكسون الصورة القبيحة للنظام المصري بقيادة مبارك وبعض الشخصيات القبيحة مثل رجال الحزب الوطني ورجال الأعمال ممن لهم مصالح من بقاء النظام الفاسد.

لا يوجد سوى اعداد قليلة مؤيدة لمبارك, اما البقية فهم اما من رجال الشرطة المختفين في زي مدني, واما موظفين حكوميين, واما بلطجية كان مبارك يستخدمهم في الانتخابات السابقة, واما ناس بسيطة لهم سجلات في اقسام الشرطة وأرغمتهم الشرطة غصبا عنهم ان يشاركوا والا سيتم القبض عليهم, في المقابل عرضت عليهم الشرطة مبالغ مالية في مقابل المشاركة.

من جهة اخرى كان اعلام الدولة, وكلمة دولة تم اختزالها في النظام, فعندما نقول ان الشرطة في خدمة الشعب, فهذا يعني انه في خدمة النظام, على اساس ان النظام هو الشعب, واي مادة في الدستور تتكلم عن الشعب فهذا يعني النظام.

على اي حال, الاقتحام جاء بعد بضع ساعات من خطاب مبارك الثاني الموجه لملايين المصريين الذين لايفعلون شئ سوى الجلوس في بيوتهم ومشاهدة التليفزيون أو بمعنى اخر الخائفين من مشاركة المعتصمين في الميدان, ذلك الخطاب كان يلعب على مشاعر وأحاسيس هؤلاء المواطنين بحيث انهم بالفعل انقلبوا على المعتصمين, لكن انكشفت عورة النظام عندما أمر بالهجوم على الاعتصام السلمي في اليوم التالي, وكان الشعار الرئيسي للمعتصمين هو “الشعب يريد اسقاط النظام” بما فيه مبارك كقائد لذلك النظام.

في أول دقيقة من الهجوم, شعرت انها نهاية الحياة, نهاية العزة والكرامة, كان محاولة لكسر عنيف لارادتي وارادة الملايين من أنبل ما أنجبت مصر, بكيت بشكل عنيف عندما رأيت المشهد, ليس بدافع الخوف, ولكني شاهدت صديق مصري مقيم في فرنسا وجاء خصيصا للمشاركة في تغيير الظلم وعندما انتشرت الفوضى في المكان, مسك بيدي وقال “شايف مصر بيحصل لها اية” تمسكت بيدة بضع لحظات وانهمرت الدموع من عيني, وبالرغم من كمية الحجارة الهائلة التي كانت تلقى علينا في ميدان التحرير من هؤلاء المأجورين, الا اني رأيت متظاهري التحرير يبادلونهم الحجاراة بنفس القوة والكثافة,  … شعرت أننا لن نستطيع المقاومة, فهؤلاء محترفين في ممارسة العنف, أما نحن فمعظمنا لم نمارس العنف من قبل, فأنا على سبيل المثال لم أشترك في معركة عنيفة طوال حياتي, ولكني شاركت بكل قوة خصوصا عندما رأيت في بداية المعركة وفي ظل حالة الفوضى والخوف التي انتابت الميدان عائلة بل عائلات مكونة من اب وأم واطفالهم الصغار جالسين في حديقة الميدان و لم يفروا هاربين, لا يستطيعوا التقدم للخطوط الأمامية لصد العدوان لكنهم متشبسين بالميدان ولم يتسرب الخوف الدي انتاب الكثير من حولهم الي قلوبهم. بل اني رأيت رجل طاعنا في السن افترش الطريق وألقى بجسدة في نهاية الطريق الدي بدأت فية الخيول بعبور الميدان, ووضع الشعار الدي كان يعلقة بيدية اثناء الثورة على صدرة وهو الشعب يريد اسقاط النظام, وهب فية الناس “قوم يامجنون” لكنه لم يعيروهم اهتماما, وفي نهاية الطريق وجدت عشرات الأشخاص يتدفقون من بداية الطريق منهم جرحى و قتلى, كل تلك المشاهد رأتها عيني في دقائق قليلة. شعرت أن الميدان هو منزلي أو وطني الذي لم أرة من زمان بعيد وكثيرا ما لفظني, وان مئات الألاف في الميدان هم أسرتي, والمحاربين في الصفوف الأمامية ليسوا الا مصريين حقيقين يواجهون الظلم والفساد دفاعا عني وعن غيري وعن الميدان.

بالنسبة لي لم أشارك في عنف من هذا النوع طوال حياتي, حتى أني رفضت التجنيد في الخدمة العسكرية لعدم وجود جدوى من ذلك, ولتفادي اي نوع من الاهانة ومسخ لشخصيتي… ولكني عندما رأيت تلك المشاهد انفجرت أحاسيسي, وقادتني تلك الأحاسيس في مقدمة الصفوف, استمرت المعركة 18 ساعة متواصلة.

بالنسبة للخيول قام بعض الرجال الشرفاء في ميدان التحرير بضرب بعض الخيول بعصا خشبية غليظة فسقطت الخيول ومن عليها ثم تدفق الناس على البلطجية وتم أسرهم و تسليمهم للجيش.

كان دور الجيش في حقيقة الأمر يدعو للريبة, وبالرغم انة هو الحامي للميدان الا انه ترك هؤلاء البلطجية يقومون بالهجوم الذي راح ضحية مئات بين قتيل وجريح, معظم القتلى لقوا مصرعهم بسبب القناصة الواقفين في مباني عالية خلف البلطجية, حتى أني توسلت لواحد من ضباط الجيش بالتدخل وعمل فض اشتباك, لكنة قال لي لم أتلق أوامر, فقلت له وما هي الأوامر التي تلقيتها, قال عدم التدخل, “أنتم مصريون وهم مصريون”.. عموما أعتقد أن الدور السلبي للجيش في تلك المعركة صب بكامله في مصلحة معتصمي ميدان التحرير, فلقد انكشفت عورة النظام وغباؤهم أمام الرأي العالمي, وأيضا أمام الرأي المحلي الدي انقلب علينا عقب خطاب مبارك, ولكنهم عندما شاهدوا هذا الهجوم كانت صدمة بالنسبة لهم وكثير منهم بدا متعاطفا معنا.

كانت المعركة عنيفة جدا, بالاضافة للحجارة تم استخدام قنابل المولوتوف و القضبان الحديدية والاسلحة البيضاء من سيوف وسكاكين من جانب البلطجية, اما نحن معتصمي الميدان فدافعنا عن انفسنا بالحجارة, وبعدما تم أسر البلطجية بخيولهم وجمالهم, بدأت معركة أعنف وأخطر, في الساعات الأولى تم أسر عدد من مؤيدي مبارك, وعند الكشف عن هويتهم, اكتشفنا ان عدد منهم من أفراد الشرطة المختبئين في الزي المدني, وعدد أخر من البلطجية واعترفوا ان بعض رجال الأعمال والشرطة قام بدفع أموال لهم مقابل اشتراكهم في الهجوم.

وفي ظل التراشق الكثيف بالحجارة, قامت السيدات بدور كبير في المعركة, منهم من يضرب بالحجاراة على الأسوار الحديدية كأشارة لكل من في الميدان ان المعركة في أشد مراحلها وأعنفها, وهناك سيدات دخلت في الخطوط الأمامية لاشعال الحماس في قلوب الشباب الذي يتبادل تراشق الحجارة ضد البلطجية. ولن انسى الفتاة المصريه  التي وقفت تهتف “الله اكبر” وفي الحقيقة كانت تلك الجملة تشعل حماسي لأبعد مدى وأنا أقذف بالحجارة, وعندما سكتت قلت لها لماذا توقفتي فأنا أحتاج لتلك الكلمة, ثم عادت بالهتاف مرة ثانية. وكانت هناك سيدات تأتي بالمياه للخطوط الأمامية, وهناك فتيات تأتي بكميات كبيرة من الحجارة للمقاتلين, وتلك الحجارة تم تكسيرها من الرصيف او البلاط الموجود في طرقات الميدان, وقم عدد كبير من المتظاهرين بخلع الرصيف وتكسيره بالة حادة لقطع صغيرة ثم يقوم الشباب والفتيات بتقديمة للمحاربين في الخطوط الأمامية.

وقام الشباب في الخطوط الأمامية بعمل حواجز من بقايا سيارات الشرطة المحترقة, وتم التقدم بتلك الحواجز لتضيق الخناق على الفريق الأخر الذي قام هو الاخر بعمل حواجز وكانت هناك مسافة بين الحاجزين. ولن أنسى مشهد شيخ من الأزهر قام بالدخول في تلك المسافة التي لا تتعدى عشرة امتار ومن فوقة كانت الحجارة تتراشق يمينا وشمالا وكان احتمال اصابته تصل ل 99 % ومع ذلك خاطر بنفسه ودخل تلك المنطقة المحظورة بهدف تهدئة الفريق المؤيد لمبارك, وكان هناك رجل يحمل الشيخ وهو رافعا يدية في محاولة لعمل هدنة أو وقف القتال, لكنه لم ينجح في مهمته ولكني لا أعرف اذا ما أصيب بعد ذلك ام لا.

البلطجية استخدموا كل انواع الأسلحة وتم أسر عدد كبير حاول استخدام المباني المرتفعة لالقاء المولوتوف, ومن وراءهم كانت هناك قناصة يوجهون رصاصهم نحو الرؤوس, وتوفى عدد من معتصمي ميدان التحرير بسبب الرصاص الحي من جانب القناصة.

وفي نهاية المعركة التي انتهت بانتصار كاسح لمعتصمي ميدان التحرير, بدأ الفريق الأخر بالتراجع, وبدأ يتناقص في العدد.  وفي الصباح تم الاستيلاء على ميدان عبد المنعم رياض وتم عمل كوردون لتفتييش من يدخل. وكانت المعركة هي النهاية الفعلية لمبارك ونظامة بعدما فشلت الشرطة بداية من يوم 25 يناير حتى يوم 28 يناير في ارهاب و قتل المتظاهرين, وانسحبت الشرطة في جمعة الغضب بعد هزيمة وفشل ذريع, وكانت معركة الجمال هي اخر الأوراق التي استخدمها مبارك, وكانت بالفعل أخر مسمار في نعش مبارك.

الطريق في الميدان كان مثل الجبل بسبب الحجاراة الكثيفة, يصعب المشي فية بسبب أكوام كبيرة من الحجاراة التي تم التراشق بيها, وفي الصباح كنت شديد التعب من تلك المعركة فذهبت لصديقة لي عندها فندق ونمت بضع ساعات وعندما عدت للميدان لم أجد ولا حجاراة ولا طوبة, كيف حدث ذلك؟ لا أعرف, ولكني أعتقد أنه كانت هناك معركة أخرى لا تقل ضراوة عن معركة الجمل, لكني لم أحضرها, تلك المعركة هي تنظيف الميدان, فعلا كان مثل الاعجاز.


Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: