عبد الحليم قنديل يكتب : غضب 6 ابريل

غضب 6 ابريل

6 ابريل 2008 يوم بلا مثيل في تاريخ القلق المصري الذي تدافعت مظاهره، وتلاحقت عناوينه في السنوات الأربع الأخيرة بالذات .

كانت مظاهرة ‘ كفاية ‘ الأولى في 12/12/2004 خط البداية، كانت إعلانا جهيرا لغضب سياسي خارج عن النص، وكانت مئاتها النبيلة تعلن التمرد على نظام مبارك، وتعبر حواجز الخوف، وتزيل قشرة الصدأ الذي ران على المشهد المصري لعقود، وتداعت موجات الغضب السياسي على السطح، انشقاقات لمثقفين كبار على النظام، ونقد واسع لحكم الرئيس مبارك وعائلته، ونهوض لأساتذة استقلال الجامعات، وخروج لقضاة تيارالاستقلال إلى احتجاجات الشارع، وقد بدا الغضب السياسي ـ في دورته الأولى ـ معلقا، فخطوط المواصلات مقطوعة عن القواعد الاجتماعية الكبرى، لكن عدوى التمرد بالتظاهر والإضراب والاعتصام السلمي سرعان ما سرت، وبدأت موجة غضب اجتماعي من أكبر قلعة عمالية باقية في شركة غزل المحلة الكبرى اوائل ديسمبر 2006، وعلى خرائط عام 2007، تلاحقت احتجاجات مئات الآلاف من المصريين، ومع مطلع عام 2008، وانكشاف هشاشة اقتصاد النظام، وضغط أزمة ارتفاع أسعار الغذاء العالمية، وتفاقم أزمة الانسداد السياسي الداخلي، بدا امتزاج الموجتين واردا، وتحقق التقاء الغضب السياسي والغضب الاجتماعي في انتفاضة 6 ابريل 2008، ومن حول النواة الصلبة لأهالي مدينة المحلة، والذين امتلأت بهم شوارع المدينة تحت ضغط الفقر والقهر، ودارت معركة الصدور العارية مع قوات الأمن، وعلى مدى ثلاثة أيام دامية، وسقط العشرات شهداء ومصابون، فيما كانت طلائع الغضب السياسي تتدافع باحتجاجاتها الرمزية في القاهرة والمدن الكبرى، وكانت الجامعات والمدارس والشوارع خالية من الناس فيما يشبه الإضراب العام، وفي سجون المرج وبرج العرب التقى مئات المعتقلين من أهالي المحلة وقيادات كفاية وشباب 6 ابريل، وثبتت صحة نظرية كفاية التي أعلنتها من البداية، وهي أن الحقوق لا تتأتى لأحد بالمناشدات والتوسلات، بل بالعصيان، وكسر التحكمات والأوامر، ورد الاعتبار للسياسة بالمقاومة المدنية السلمية لحكم الطغيان الدموي .

يوم الغضب العام

وفي الذكرى الأولى لانتفاضة 6 ابريل ، ظهرت دعوات كفاية وشباب 6 ابريل والأحزاب الوطنية ـ المحظورة ـ لإعلان يوم الغضب العام، وقبلها ظهرت دعوات أكثر حماسا لإعلان الإضراب العام، لكن ‘ اللجنة المشتركة ‘ لتيار التغيير فضلت عنوان الغضب على عنوان الإضراب، والسبب مفهوم، فإعلان الإضراب العام درجة متقدمة جدا من العصيان المدني، ولا تتوافر أسبابها ولا ظروفها بعد، بينما عنوان الغضب ـ بمرونته الظاهرة ـ يحتمل تنظيما لاحتجاجات واعتصامات وإضرابات قطاعية، والميل للإضراب ظاهر في الجامعات الكبرى، وفي عدد من المصانع والمرافق العامة، بينما تميل الطلائع السياسية إلى تنظيم وقفات احتجاجية في القاهرة والمدن الكبرى، وقد انضمت قطاعات جديدة من الصحافيين المصريين إلى رغبة المشاركة في يوم الغضب، وربما الأهم أن ‘ ائتلاف المصريين من أجل التغيير ‘ سوف يعلن بيانه التأسيسي قبل يومين من 6 ابريل المقبل، وعشية يوم الغضب العام، وبهـــدف صياغة إطار سيــــاسي اجتماعي لحركة التغيير متزايدة النفوذ، وبناء تنظيم وطني جامــــع يقود العصيان السلمي في مراحله المقبلة، وعلى مدى الشهور الطويلة الحرجة السابقة على استحقاق التجديد الرئاسي في نهايات عام 2011

والأغلب أن مصر لن تصل إلى الموعد المقدور ـ في نهايات 2011 ـ وهي على ما هي عليه الآن، ولا تدخل الحكاية في باب التمنيات، بل يبدو الأساس الموضوعي لبقاء النظام في حالة تحلل متصل، والسبب ظاهر، فنحن بصدد نظام معلق بلا قواعد اجتماعية ولا سياسية منظورة، وبصدد نظام مفرط في الاعتماد على القبضة الأمنية وحدها، وقد تراجعت موجة الإضرابات الإجتماعية لأسابيع محدودة بعد حملة اعتقالات 6 ابريل 2008، لكنها عادت أكثر عنفا وإطرادا، وربما لذات العلة الاقتصادية، فاقتصاد النظام بالغ الهشاشة، أنهكه النهب العام وتجريف انتاجية الزراعة والصناعة، وانتهى إلى اقتصاد ريعي أقرب إلى التسول، ويعتمد بالأساس على موارد الســــياحة ورســـوم المرور في قناة السويس وعوائد عمل المصريين في الخـــارج، وكلها موارد تميل للجفاف مع الأزمة المالية العالمية التي أعقبــــت أزمة ارتفاع أسعار الغذاء، وفي الموازنة الجديدة للحكومة تفـــاقم العجز إلى ما يقارب العشرين مليار دولار، ومع التقدم في شهور 2009، والانزلاق إلى مصائب 2010، يــــبدو اقتصاد النظام سائرا إلى ما يشبه إشهار الإفلاس، وربما يكون ذلك هو مقتل النظام، فقــــد تزايـــدت موجة الاضرابات الإجــــتماعية التلـــقائية، وصارت مصر تضرب ثلاث مرات في اليوم تقريبا، وسلك ملايين المصريين طرق احتجاج لم يألفوها من عقود، فالطبقات العاملة ـ والعاطلة ـ عرفت طريق الإضراب، والفئات الوسطى أيضا، وتأمل ـ مثلا ـ ما جرى خلال الشهور الأخيرة من إضرابات للصيادلة والمحامين وعلماء المركز القومي للبحوث، وفئات الموظفين ـ أيضا ـ دخلت الميدان، وبإلهام من نجاح الإضراب الشهير لموظفي الضرائب العقارية.

وقد تبدو مطالب الفئات المضربة جزئية ومتفرقة، وهذا صحيح، لكن عجز النظام المتزايد ـ مع الأزمة الاقتصادية القاتلة ـ عن تقديم رشاوى اجتماعية، أو زيادات ملموسة في الأجور البالغة التدني، وميله إلى مزيد من جباية الضرائب سترا لتراجع الموارد الريعية، وتفاقم الفقر والبطالة والعنوسة، وتوحش احتكار المليارديرات القريبين من عائلة مبارك، كل ذلك يؤدي ـ موضوعيا ـ إلى العجز المفزع عن الإرضاء الاقتصادي تعويضا عن الانسداد السياسي، وهو ما يعنى فك أقواس الإضرابات المتفرقة، وتمهيد الطريق لأحد نهايتين، فإما انزلاق البلاد لحريق اجتماعي تلقائي واسع، أو أن تنجح خطة ائتلاف التغيير، وتتوافر قيادة سياسية للغضب الاجتماعي، وتستثمر الغضب الاجتماعي في إجراء تغيير سياسي جوهري يضع نهاية للنظام القائم.

نهوض المعارضة الجديدة

ربما لذلك يبدو غضب 6 ابريل هذا العام مختلفا في المغزى، وقد انتهــــى دور أحــــزاب المعارضة الرسمية التي التحقت ذيليا بالنظام، وبدت جماعة الإخوان في حالة تردد بمزيج من المخاوف الأمنية والمخاوف الاجتماعية، فيما ينهض تيار المعارضة الجديدة التي قـــررت مقاطعة النظام وطقوسه، وتلجأ إلى التماس الحماية تحت مظلــة الإضـــرابات الاجتماعية، وتنتظر مصر عند خط العاصفة، وتتعامل مع غضب 6 ابريل كتقويم سنوي يخصها، فالسنة الميلادية تبدأ في أول يناير، وسنة التغيير المصرية تبدأ بغضب 6 ابريل

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: